الصفحة 6 من 126

إنه زادُك ورأسُ مالِك وسبيلُك للفوز في تجارةٍ بضاعتُها روحُكَ التي تَحمِلُها على راحتيك ..

يَجُودُ بالنَّفْسِ إِنْ ضَنَّ الجَوادُ بِها ... والجودُ بالنَّفْسِ أَقْصَى غايةِ الجُودِ [1]

"إنما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى فَمَنْ كانت هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أو إلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليه" [2]

ولقد تأملتُ حالَ المجاهدِين في سبيل الله فوجدتُهم أشد النَّاسِ حاجةً إلى استحضارِ النِّية وإخلاصِها وتجريدِها مما يشوبُها؛ وما ذلك إلاَّ لخطورةِ ما يقومون به، وما يُتوقع أن يتعرضوا له: من كسْرٍ أو بَتْرٍ أوقتلٍ أو أَسْرٍ أوسِجنٍ وإيذاءٍ, ولاشكَّ أنها أمورٌ شاقة جِدُّ شاقة، وكبيرةٌ جِدُّ كبيرة، ولرُبَّما طالَ مقامُها مع من يُصاب بها، فبأيِّ شيء يَسْلُون؟! أم بأي شيء يتصبَّرون؟! أم إلى أي شيءٍ يَسكُنون ويستريحون؛ إن لم تكن نياتُهم صادقة وعملُهم خالصًا فيجدوا لألَمِ البَّلاء وحرارتِه برْد القَبول الذي يأملونَهُ من ربهم عز وجل؟!

والأمرُ ليس بالسَّهل كما يُحاول أن يصوِّرهُ البعض!! بل شاقٌ ومضنٍ يحتاج من العبدِ أن يكون خبيرًا بمداخِل الشيطان ونزواتِ النَّفس وأهوائها, فيكون حذرًا منتبهًا مدركًا لقولِ سفيان الثوري رحمه الله: (ما عالجت شيئًا أشد عليَّ من نيَّتي فإنها تنقلب عليَّ) 1 ومُتدبِّرًا لقول يحيى بن معاذ (الإخلاصُ يَميز العمل من العيوب، كتمييز اللَّبن من الفرث والدم) 2 ومصغيًا ليوسِف بن أسباط وهو ينادي (تخليصُ النِّية من فسادها أشدُّ على العاملين من طول الإجتهاد) 3 [3]

وهل العاملون إلا هم وأمثالهُم!؟ فحريٌ بهم أ ن يفتِّشوا عن نيَّاتِهم ويَسْتجْوبُوا أنفُسهُم ويُحقِّقوا في مُرادهم؛ فأي خسارةٍ يمكن أن يُمْنى بها الإنسان أعظمُ من ضياعِ جُهدٍ رُبَّما كلَّفه حياتَه أوحريَّته أوسلامته؟!.

حقيقة البيعة ..

(1) الحماسة البصرية

(2) رواه البخاري برقم 1

(3) (1 - 2 - 3) جامع العلوم والحكم ص 13

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت