"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأذِنُونَكَ أُوْلَائِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [1]
إن ما ينتظِرك من أجر الرِّباط لا يقلُّ بحالٍ عمَّا تُريدُه من أجر القتال!! وما ينتظِركَ من أجر الطَّاعةِ لا يُقارن بما تُريده -بحسب ظنك- من التَّصرفِ قولًا أو فعلًا بعيدًا عن علم القيادة وإذنِها!!
فالعمل الجهادي لا يتحمَّل الاجتهادات الفردية التي تبدُرُ عن حماسةٍ صادقة ولكنَّها غير مدروسة، ومن رغبةٍ مُخلصة ولكنها غير محسوبة، فتلك الحماسة وتلك الرغبة واللَّتان تولدان بهذه الطَّريقة (القيصرية المُستعجلة) يكونُ الناتج السلبيُ فيهما مدمرًا للعمل، ومربكًا للخطط، وكاشِفًا للسريَّةِ التي يتطلبها العمل.
والاستئذان أصلٌ شرعيٌ يضبِطُ الأقوال والأفعال معًا، إذ أنَّ خُطورة الكلمات التي ينطِقُ بها المرءُ - والتي تتعدَّى التعبير عن صفته الشخصية إلى التعبير عن صفته الجماعية - لا تقِلُّ خطورة عن الأفعال الارتجالية التي يقوم بها المرءُ بعيدًا عن إذن القيادة، وفي كُلٍّ إصابةٌ مؤلمة توجع خطط العمل ومراحله، وما يُدريك لعلها تقع في مَقتل!!
يقول ابن قدامه رحمه الله في كتابه العمدة:"وإذا دخلوا أرض حربٍ لم يجز لأحدٍ أن يخرُج من العسكرِ لتعلُّفٍ أو احتطابٍ أو غيره، إلاَّ بإذن الأمير"وزادَ"ولا يُبارزُ عِلجًا ولا يُحدثُ حدثًا إلاَّ بإذنه"
إذًا: فليسَ الإذن للعلفِ أوالتَّحطبِ بأولى من الإذن في غيره من التصرفات!! وذلك كله لأن الأمير أعرفُ بحال الناسِ وحال العدو ومكامنهم، ومواضعهم، وقُربهم وبُعدهم، فإذا خرج بغير إذنه لم يأمن أن يُصادف كمينًا للعدو فيأخذوه، أو طليعةً لهم، أو يرحل الأمير بالمسلمين ويتركه فيهلك.
فهل تأمن أن تُصادف كمينًا من متربصٍ بمسيرة الجهادِ يلتقطُ منكَ كلمةً يغزِلها من خلال قوةِ موقعكَ في المسيرة الجهادية، أو من مُتحفِزٍ يستغلُّ منك تصرفًا يعقدُ بهِ عُقَدًا يصعُب حلُّها؟!
إنَّ التَّسللَ لواذًا في الكلام أو الفعل من صفات المُنافقين والمرجفين وليس له من صفات المجاهدين ناقة ولا جمل.
(1) النور 62