الصفحة 77 من 126

أيها الفرسان:

"إِنَّا لا نُوَلِّي هذا من سَأَلَهُ ولا من حَرَصَ عليه" [1] هذا ما صرَّح به النبي - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- لمن جاءه يطلبه الإمارة، إذ كيف نُحيي الدنيا في قلبِ من زهد فيها ونُعينُه على ذلك؟! فالنَّاسُ قد يزهدون في كثيرٍ من الأمور وفي الكبيرِ منها، ولكنَّ الأمر إذا وصل إلى الكرسي والقيادة تحرَّكت الشهوة الخفيَّة ونازعت وتنازعت، وكما قال الثوريُّ رحمه الله (مارأيتُ الزُّهد في شيء أقل منه في الرياسة) [2]

حبُّ الرئاسةِ أطغى من على الأرضِ ... حتَّى بغى بعضُهم منها على بعضِ [3]

إنَّ الصادق لا يحتاجُ إلى تزكية نفسهِ ليُختار، ولا أن يتعنَّى فيْعرُضَ نفسه ليُختار، فصدقُه في العمل يُقدِّمه، وإخلاصُه في الجُهدِ والبذلِ يكشفُه، وموهبتُه وقدرتُه وإمكانياتُه تُنصِّبه.

وهنا يَبرُزُ جوابٌ لسؤالٍ ربما يدورُ في خلدِك يقولُ: هل يريدونها حكرًا على بعضِهم؟

والجوابُ: لا. لا نُريدُها حكرًا على شخصٍ أو فئةٍ، وما كُنَّا لنمنعَ أحدًا حقَّهُ، أو نحجبَ النُّصوص، أو نلوي أعناقها لمصالح شخصية، أو ترتيباتٍ سياسية، ولكن نقولُ لك ما قال النبيُ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- لعبد الرحمن بن سَمرةَ يوصيه:"يا عَبْدَ الرحمن بن سَمُرَةَ لا تَسْأَلْ الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إن أُوتِيتَهَا عن مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُوتِيتَهَا من غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عليها" [4] (والحكمةُ في أنه لا يُولَّى من سأل الولاية، أنَّه يوكل إليها ولا تكون معه إعانة .. ، وإذا لم تكن معه إعانة لم يكن كُفئًا، ولا يُولَّى غير الكفء، ولأن فيه تهمة للطالب والحريص) [5] فنحنُ هنا نُشفق ونَرفق، لا نحتكِرُ ونُغلق، فالحِملُ ثقيل، والمسئولية كبيرة وربما كُنت ضعيفًا كما صرَّح بذلك النبي- صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- لأبي ذر- رَضِيَ

(1) رواه البخاري برقم 6730

(2) العزلة والانفراد 1/ 146

(3) أبو العتاهية

(4) رواه مسلم برقم 4235

(5) شرح النووي على مسلم 12/ 208

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت