اللهُ عَنْهُ -"إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يوم الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إلا من أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الذي عليه فيها" [1] فهي إذًا كذلك، حملٌ ثقيل لا يُغري أحدًا بالتَّعرضِ أو التَّصدر له اللَّهم إلاَّ رجلٌ أكبرُ هَمِّهِ الدنيا، أو رجلٌ تحمَّلها بتكليفٍ وهو كارهٌ لها لا ينظُر فيها إلاَّ إلى الخدمة الشَّاقة التي ينالُ من ورائها الأجر والمثوبة.
شيطانٌ يدفع وشرعٌ يمنع
وهنا يبرُز الشيطانُ في ثوب الفقيه الدَّافع إلى الاحتجاج بالشرع، ويأتيك ببعض الحوادثِ التي أُسندت من خلالها الرئاسةُ استثناءً لمن طلبها كزياد بن الحارث - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -إلاَّ أنَّ من فَقِهَ أنَّ لكل قاعدةٍ شواذ عرف أن الأمور لا تخلو من استثناءاتٍ تُقدَّرُ بقدرها، ونحن نتحدث عن مسألةٍ عامة لا تخلو من استثناءات لا تقوى على هَدْمِ الأصل، وهذا ما حدث مع زياد ابن الحارث الصدائي - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وتعال نتدَّبر ما حدث معه ثم نحكم.
استثناءٌ أول:
قال- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: (أتيتُ رسول الله فبايعتُه على الإسلام فأُخبِرتُ أنَّه قد بعث جيشًا إلى قومي. فقلت: يا رسول الله: أردُدِ الجيشَ وأنا لك بإسلامِ قومي وطاعتِهم، فقال لي: اذهب فرُدَّهم فقلتُ يا رسول الله: إنَّ راحلتي قد كلَّت، فبعثَ رسولُ الله رجلًا فردَّهم قال: وكتبتُ إليهم كتابًا فقدِم وفدهم بإسلامهم، فقال لي رسول الله: يا أخا صَداء إنَّك لمطاعٌ في قومِكَ فقلت: بل الله هداهم للإسلام! فقال: أفلا أُأمِرُكَ عليهم؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: فكتب لي كتابا أمَّرني) [2]
إذًا هو قبِل بعرضِ النبي - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- حيثُ عرض عليه الإمارة حين رآه مُطاعًا في قومه فقبلها -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لمعرفته بمكانته في قومه ومدى تأثيره عليهم وما في ذلك من مصلحة للإسلام.
(1) رواه مسلم برقم 1825
(2) البداية والنهاية 3/ 38