أو أن الجمل مرض فذبح وطبخ في القدر نتيجة لأن العائن قد عانه [1] (أي أصابه بالعين) وغير ذلك من الأمثلة واستحالة قياس هذه الأمثلة وغيرها بالتجربة العلمية المحسوسة يرجع إلى أن جانبًا كبيرًا منها غيبي يسهل إخضاعه للقياس المادي وكذلك لتداخل عوامل كثيرة فيها يستحيل حتى إخضاعها للعادة، فمثلًا: الدعاء قد يكون مستجابًا بأن يصرف عنك الله من السوء مثله دون تحقق نفس الغرض المطلوب في الدعاء أو بأن تزرق مثله وليس نفسه أو بأن يدخره الله لك في الآخرة فلا سبيل بحال لقياس ترتب النتيجة على السبب، ثم إن موانع النتيجة كذلك يستحيل قياسها فقد تمنع إجابة الدعاء نتيجة لمعصية سابقة أو لطعام محرم تناولته أو لأنك تدعو رياءً أو أعجبت بكثرة وقوة دعائك أو غير ذلك، وكلّ هذا لا يمكن ضبطه أو قياسه أيضًا، مما يقف على طرف النقيض تمامًا مع المنهج التجريبي وقس على ذلك باقي الأمور.
أما القسم الثالث من الأسباب فهو قسم مختلط بين الأول والثاني بمعنى أن النتائج المترتبة عليها اشترك في تسبيبها أسباب تجريبية وأسباب غيبية، وذلك مثل مريض تناول دواءً ورقى نفسه في نفس الوقت أو رجل دعا الله ان يرزقه مالًا وسعى في العمل فرزق وغير ذلك من الأمثلة.
والواقع أن هذا التقسيم الثلاثي ليس تقسيمًا دقيقًا ولكن الصحيح أن نعتبر الأمر كخط مستقيم لا نهائي النقاط، يقع على أقصى طرفه الأيسر الأسباب التي تخضع بالكامل للتجربة العلمية المحسوسة، وعلى الطرف الاخر الأسباب التي يستحيل إخضاع العلاقة بينها وبين نتائجها للتجربة العلمية المحسوسة، وبينهما عدد لا نهائي من النقاط يختلط فيها النوعان فيزيد هذا تارة وذاك أخرى ويستويان أحيانًا.
قام العلم الغربي التجريبي على تفسير كل هذا الخط المستقيم لصالح الطرف الأيسر وساعدهم على ذلك أنه جرت سنة الله - عز وجل - في خلقه على أن معظم النتائج مرتبطة بأسباب
(1) مصداقًا لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"العين تدخل الرجل القبر وتدخل الجمل القدر"أو كما قال صلى الله عليه وسلم، رواه ابن عدي في الكامل وأبو نعيم في الحلية وصححه السيوطي، رقم 5747 في فيض القدير للمناوي.