أما المسلمون فيثبتون كل هذه الأسباب، ولكن هناك خلاف جذري بينهم وبين الغرب في تفسير علاقة الأسباب بالنتائج حتى على الطرف الأيسر من الخط المستقيم طرف الأسباب التجريبية، هذا التفسير هو الذي يجعل الهوة جد شاسعة بين الاثنين، هذا التفسير هو من صميم دين الإسلام والذي يجب أن يضعه كل مسلم في ذهنه ووجدانه وهو التفسير الذي أزعم انه أصابه خلل في وجدان الكثير من مسلمي اليوم وإن أقروا به من الناحية النظرية.
ونوضح هذا التفسير من خلال كلام الإمام الشاطبي -رحمه الله- إذ يقول:"الذي للمكلف تعاطى الأسباب وإنما المسببات من فعل الله وحكمه لا كسب فيه للمكلف، واستقراء هذا المعنى في الشريعة مقطوع به، فإذًا لا يتعلق التكليف وخطابه إلا بمكتسب فخرجت المسببات عن خطاب التكليف، لأنها ليست بمقدورهم، ولو تعلق بها لكان تكليفًا بما لا يطاق وهو غير واقع كما تبين في الأصول ..." [1] اهـ.
ويقول: في كلام آخر ما أنفسه يوضح به كلامه السابق:"... إذا ثبت أنه لا يلزم القصد إلى المسبب فللمكلف ترك القصد إليه بإطلاق، وله القصد إليه .... فإذا قيل لك: لم تكتسب لمعاشك بالزراعة أو التجارة أو بغيرها؟ قلت: لأن الشارع ندبني إلى تلك الأعمال، فأنا اعمل على مقتضى ما أمرت به."
كما أنه أمرني أن أصلي وأصوم وأزكي وأحج إلى غير ذلك من الأعمال التي كلفني بها، فإن قيل لك: إن الشارع أمر ونهى لأجل المصالح، قلت: نعم.
وذلك إلى الله لا إلى، فإن الذي إلى التسبب، وحصول المسببات ليس إليّ فأصرف قصدي إلى ما جعل إليّ وأكل ما ليس إليّ إلي من هو له (أي الله عز وجل) [2] ""
وبحث الشاطبي -رحمه الله- في الأسباب والمسببات؛ بحث مهم للغاية وممتع وطويل ينصح بقراءته ولكن لضيق المكان نقتصر على ما نقلناه منه ونعلق فيه على ما يخص موضوعنا،
(1) الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق الشاطبي، دار المعرفة، بيروت لبنان، جـ 1، ص 190،191.
(2) المرجع السابق، جـ 1، ص 196.