فالشاطبي يقرر حقيقة قطعية مجمعًا عليها في دين الإسلام وهي أن النتائج المترتبة على الأسباب (أو الوسائل) هي من صنع الله عز وجل وحده لا شريك له، وإن كانت الأسباب، من صنع الله أيضًا ولكن الله جعل إرادة الأسباب في يد العباد، أما نتائج هذه الأسباب فليست في أيديهم.
والذي جعل هذه أسبابًا وتلك نتائج وربط بينهما هو الله عز وجل وحده فلو كانت العلاقة بين السبب والنتيجة علاقة تجريبية محسوسة فلأن الله عز وجل جعلها كذلك، فعندما يسخن المعدن يتمدد؛ لأن الله خلق ذلك وليست السخونة هي التي خلقت التمدد وإن تسببت فيه، ولهذا يخرق الله عز وجل هذا الأمر أحيانًا فتتخلف النتيجة عن السبب التجريبي المحسوس لها، إذا أمر الله بذلك، سواء كانت معجزة لنبي كما لم تحرق النار إبراهيم عليه السلام، فالنار سبب للإحراق، سبب تجريبي محسوس، ولكن هذا السبب لا يحدث أثره إلا بأمر الله فإن أمر الله ألا يحدث فلن يحدث، أو كانت كرامة لولي من أولياء الله كما هو معتقد أهل السنة والجماعة قاطبة.
وهنا تكمن هوة التفسير بين فرانسيس بيكون وأتباعه وبين الإسلام فالغرب في علمه التجريبي يرى أن النتيجة مخلوقة للسبب أو بعبارة أخرى: إن السبب هو الذي خلق النتيجة ولا يعترف بهذا السبب الخالق إلا إذا كان قابلًا للتجربة المعملية المحسوسة، من هذه التجربة يكتشفون السبب وينسبون إليه النتيجة وهذه هي الطريقة الوحيدة لاكتشاف السبب.
أما في الإسلام فبالرغم من أننا قد نكتشف السبب بالتجربة العلمية المحسوسة إلا أنها ليست الطريقة الوحيدة وذلك لأن السبب ليس هو الذي يخلق النتيجة ولكن الله هو الذي يخلقها، وخالق النتائج هو الذي أرشدنا معرفة الأسباب التي إذا فعلناها خلق الله لنا بها النتائج وإن كان خالق النتائج قد أرشدنا إلى الأسباب التجريبية فقد أرشدنا كذلك إلى الأسباب الغيبية وأرشدنا إلى الأسباب التي تجمع بين الاثنين، ومن واقع إيماننا بالله عز وجل ومن خلقه للنتائج وحده فنحن نؤمن كذلك بالأسباب كلها التي يخلق لنا الله بها النتائج وهنا مربط الفرس.