الصفحة 17 من 218

فأتباع منهج فرانسيس بيكون يتناولون الدواء لأن التجربة الحسية أثبتت أن هذا الدواء يشفي من ذاك المرض، أما أتباع الإسلام فيتناولون نفس الدواء؛ لأن التجربة الحسية أثبتت أن الله يشفيهم من المرض إذا تناولوا هذا الدواء، فلو علمنا أن هناك دواءً آخر يشفي من المرض ولكن لا يمكن إخضاعه للتجربة الحسية فإننا نسلم بهذا ونتناوله بنفس اليقين بل وأكثر من تناولنا للدواء المجرب حسيًا أما أتباع فرانسيس بيكون فيستحيل عليهم تناول هذا الدواء إذا اتبعوا مقتضيات مذهبهم.

وقد أثر هذا الأمر على مفهوم العقل عند الفريقين، فالمقبول عقلًا عند أتباع فرانسيس بيكون هو الخاضع للتجربة العلمية المحسوسة، أما عند أتباع الإسلام فالأمر أوسع من ذلك بكثير، وليس هناك مجالًا للقول بتناقض العقل مع الشرع، فالمشكلة في تحديد أي عقل، فالعقل في مفهوم الإسلام والذي ينشئه الإسلام لا يتناقض مع الشرع أبدًا ولو فرض وحدث تناقض فهو ظاهري ويقدم الشرع بالإجمال، أما العقل الذي ينشئه المنهج التجريبي فهذا الذي قد يتناقض مع الشرع.

وعلى بداهة المفاهيم الإسلامية السابقة فإنه في منطقة سحيقة من مناطق اللاوعي يوجد تأثر شديد بمنهج فرانسيس بيكون [1] عند كثير من المسلمين لما سبق وأشرنا إليه من حملة المسخ المنظم الممنهج للعقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين عبر القرون.

هذا التأثر هو الذي يجب التحرر منه تمامًا؛ حتى نستطيع أن نخرج بنتيجة من الفصول المقبلة في هذا البحث بإذن الله عز وجل.

فنصر المسلمين على عدوهم يوجد في منطقة ما بين قسمي الأسباب التجريبية والغيبية، فهو من القسم الثالث الذي يمتزج فيه السببان والموضوع هنا دقيق وذلك لأن الصراع بين البشر عمومًا تخضع نتائجه عادة للأسباب الخاضعة للتجربة الحسية الملموسة وله قوانين ونظريات معروفة في

(1) أي: اعتباره المنهج الوحيد لتفسير الأمور وإهمال ما سواه، وإن كان منهج بيكون التجريبي منهجًا مفيدًا لا يتعارض مع الشرع ولكن بعد وضعه في الإطار الصحيح لتفسير بعض الأمور وليس كل الأمور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت