هذا الإطار من أبسط صورة إلى أعقدها، وسواء كان صراعًا ماديًا أو معنويًا أو فكريًا أو عقائديًا ... إلخ. فلو أخذنا الصراع المادي كمثال لبساطته فإن الرجل القوي المتدرب يغلب الرجل الضعيف غير المتدرب، ومن معه بندقية يغلب من معه سيف، والطائرة الإف 16 تغلب الطائرة الميج 17 وهكذا، الجيش المسلح تسليحًا أكثر ومعه عدد أكبر يغلب الجيش الذي تسليحه ضعيف وعدده أقل في قاعدة مطردة إذا حدث وخرقت فتكون لأسباب تجريبية محسوسة أيضًا، مثل: سوء التخطيط أو انخفاض الروح المعنوية أو غير ذلك.
ولكن عندما يتعلق الأمر بقتال بين أهل الحق أو جند الله وأهل الباطل فهنا تختلف القوانين والقواعد اختلافًا ليس له تبرير في منهج فرانسيس بيكون وإن حاولوا تبريره بتعسف كما هو دأبهم وقد ضربنا مثالًا لذلك في مريض تليف الكبد.
والغريب حقًا أن يحاول بعض المسلمين الذين نحسبهم مخلصين أن يبرر نفس التبرير ويخضع انتصار الإسلام على أعدائه لنفس منهج بيكون والذي يستحيل به بمفرده أن نفسر انتصار الإسلام على أعدائه [1] ، وهي أمور يحار فيها العقل سواء في بداية التكليف أو في نهايته، فحين يكلف أربعون ألف مسلم مثلًا في واقعة اليرموك أن يقاتلوا مائتين وأربعين ألف مقاتل مسلحين تسليحًا أفضل منهم، ثم يكون نتيجة هذا التكليف انتصار المسلمين عليهم بل وحين يطرد ويتكرر هذا المثال كثيرًا لهو موقف يحار فيه العقل حقًا ولكن الذي يحار هو عقل بيكون وأتباعه، أما عقل الإسلام الذي رباه وبناه الإسلام، فلا يجد أي حيرة في ذلك لأنه يؤمن بأسباب غير التي يؤمن بها أتباع بيكون ويفسر النتائج غير تفسيرهم.
وللحسرة التي تدمى القلوب تأثر كثير من المسلمين بهذا المنهج في هذه القضية بالذات وإن كان تأثرهم هذا في اللاوعي غالبًا. إن قضية النصر في الإسلام قضية لها أهمية كبيرة للغاية؛ لأنها نتيجة الصراع الذي يخوضه المسلم في جميع مراحل حياته سواء ضد الشيطان أو ضد نفسه الأمارة بالسوء أو ضد أعداء الإسلام من شياطين الإنس والجن، وقد نظم الإسلام هذه القضية
(1) سنسهب بإذن الله عز وجل في الحديث عن مذهب هؤلاء في الباب الثالث من هذا الكتاب.