يخلفون من المسلمين، فهذا قد صرح أصحابنا بأنه يجب ان يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا ونظيرها: أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم، فهذا وأمثاله قتال دفع، لا قتال طلب، لا يجوز الانصراف فيه بحال، ووقعة أحد من هذا الباب" [1] "
صحيح أن كلام ابن تيمية السابق هذا يجب تقييده بما إذا ظنوا إحداث نكاية في العدو ولم يتيقنوا الهزيمة والاستئصال، ولكن إذا بلغ المسلمون اثني عشر ألفًا فقد أخبرهم المعصوم صلى الله عليه وسلم أنهم لن يغلبوا بسبب القلة فقد غلب على الظن [2] حينئذ الظفر حتمًا، فبأي وجه يفرون لو كان القتال قتال دفع.
وعلى نفس هذا الكلام يتنزل كلام الشافعية فربما كان لقولهم وجه: إن الاثني عشر ألفًا ولو غلب على ظنهم الظفر في قتال الطلب جاز لهم الفرار اختيارًا، أما لو القتال قتال دفع فلا أظن أحدًا يقول بجواز الفرار مع ظن الظفر بل أقطع ويقطع كل من شم رائحة الفقه بهذا.
المقدمة الرابعة:
أنه بالسبر والتقسيم لا تحتمل تفسير عبارة"لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة"إلا تأويلين، الأول: ما قاله الحنفية والمالكية وبعض الشافعية وينسب للجمهور من عدم جواز الفرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف، والثاني: ما قاله الشافعية من أن يجوز لهم الفرار مع أن الظفر غالب على ظنهم ولكن لا يلزم من ذلك وجوب الثبات وليس هناك تأويل ثالث بل التأويل الثاني أصلًا ما كان ليخطر بالبال لولا أن قاله بعض العلماء.
(1) "الأخبار العلمية من الاختبارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية"تأليف علاء الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عباس البعلي الدمشقي الحنبلي توفي 803 هـ، ومعه تعليقات محمد بن صالح العثيمين، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1418 هـ 1998، ص 449.
(2) أقول"غلب على الظن"وليس"تيقنوا"لأن الحديث وإن غلب على ظننا صحة نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلا أن هذا غير مقطوع به، وسبق أن أشرنا في القاعدة الثانية ص 42 من هذا المبحث إلى وجوب العمل بغلبة الظن. هذه واحدة، والثانية أنهم لن يغلبوا من قلة ولكن قد يغلبوا بسبب المعاصي.