نتيجة ما سبق من المقدمات:
بما أن"لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة"لا ينازع الحنابلة في نسبتها للشرع وصحة الاحتجاج بها -من المقدمة الأولى- والثبات مع ظن الظفر إن زاد عدد العدو على الضعف ليس بواجب في ظاهر المذهب بل مستحب وإن وجد عن أحمد ما يدل على وجوبه- من المقدمة الثانية-، وإن هذا- جواز الثبات أو وجوبه- يقال في جهاد الطلب فقط وليس في جهاد الدفع- من المقدمة الثالثة-، وأن هذه العبارة لا تحتمل إلا تأويلين- من المقدمة الرابعة.
فإنه يصح أن نخرج في المذهب الحنبلي عدم وجوب ثبات الاثني عشر ألفًا لأكثر من ضعفهم مع أن غالب الظن أنهم سينتصرون، ويجعل هذا الوجه ظاهر المذهب، وذلك مقتضى تواطئ معظم كتب المذهب على عدم الإشارة لعبارة:"لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة"مع ثبوت نسبتها للشرع عندهم.
ويخرج وجه آخر في المذهب بوجوب ثبات الاثني عشر ألف مقاتل مهما تضاعف عدد عدوهم وعدتهم وذلك للرواية الثانية عن أحمد بوجوب الثبات عند ظن الظفر وقد ظنوا ذلك بالنص، ويدل على صحة هذا التخريج للوجه الآخر أن شيخ الحنابلة مجد الدين أبو البركات عبد السلام ابن تيمية قال بعد إيراده لحديثنا حديث ابن عباس برواية يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ما نصه.
"رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وذكر (أي الترمذي) أنه في أكثر الروايات عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وتمسك به من ذهب إلى أن الجيش إذا كان اثنا عشر ألفًا لم يجز أن يفر من أمثاله وأضعافه وإن كثروا" [1] اهـ.
بل ولعل هذا اختيار المجد (أبو البركات) نفسه فهو لم يرو- كما سبق وأشرنا- إلا تحسين الترمذي للحديث ولم ينقل عدم تصحيح أبي داود مما يدل على صحة الحديث للاحتجاج
(1) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، جـ 7، ص 277، حديث رقم 3291.