عنده، كما أن التأويل الذي ذكره للحديث هو رأي المالكية والحنفية وبعض الشافعية ولم يذكر الرأي الأخر مما يعد قرينة على أخذه بهذا الرأي وترجيحه له.
ولعل هذا أيضًا هو اختيار ابن الجوزي لأنه قال في تفسير قوله تعالى"فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين"الأنفال 66.
ما نصه"فليس للمسلمين أن يفروا من مثليهم وبه قال عطاء بن أبي رباح، وروى أبو طالب عن أحمد (ابن حنبل) أنه سئل عن الفرار من الزحف، فقال: لا يفر رجل من رجلين فإن كانوا ثلاثة فلا بأس، وقد نقل نحو هذا عن ابن عباس، وقال محمد بن الحسن: إذا بلغ الجيش اثني عشر ألفًا، فليس لهم أن يفروا من عدوهم، وإن كثر عددهم، ونقل نحو هذا عن مالك، ووجهه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما هزم قوم إذا بلغوا اثني عشر ألفًا من قلة إذا صبروا وصدقوا" [1] اهـ"
وابن الجوزي فقيه محدث حافظ- كما سبق وترجمنا له [2] -، وذكر الحديث ولم يعلق عليه، ثم ذكر تفسير الحنفية والمالكية فقط ولم يذكر خلافه مما يرجح اختياره له، بل إن كلام المجد وابن الجوزي قد يجعل هذا الوجه ظاهر المذهب حيث أنه لا يعرف من يخالفهما لولا ما تواطأت عليه سائر كتب الفقه في المذهب من عدم الإشارة إلى المسألة أصلًا مما يرجح أن سبب ذلك هو اختيارهم للوجه الأول.
هذان الوجهان يخرجان في قتال الطلب فقط، أما لو قتال دفع لا ينبغي أن يكون هناك إلا وجه واحد يوجب الثبات ويحرم الفرار، ولا نحتاج لوضع قيد إحداث نكاية وعدم تيقن الهزيمة والاستئصال وذلك لأن غلبة الظن بالنصر متحققة بالنص، مهما ظهر ببادئ الرأي مخالفة ظواهر الأسباب ومقتضيات العقول هذا النص، ونوضح أكثر فنقول لو قاتل ألف مسلم مليون (ألف ألف) كافر في جهاد دفع قد يتوجه أن نقول: أنه يجوز لهم الفرار لأن الهلكة متيقنة
(1) زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي، جـ 3، ص 331،332.
(2) انظر ص 142 من هذا الباب.