الصفحة 158 من 218

إنه بالرغم من أن نص"لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة"ظني الثبوت إلى الشرع، إلا أن نصر الاثني عشر ألف جندي لله حتمي: وذلك لأننا سبق وأشرنا في الفصل الأول في القاعدة الثانية [1] إلى وجوب العمل بغلبة الظن وأن هذا الوجوب قطعي وبالتالي إذا قاتل الاثنا عشر ألفًا عملًا بالنص الظني هذا فهم مطيعون لله عز وجل قولًا واحدًا سواء على رأي المالكية والحنفية أو على رأي الشافعية وذلك لأن كلا الرأيين يتفقون على وجود النصر ومنع الهزيمة ويختلفون في جواز الفرار، أما وجوب الفرار وحرمة الثبات فلم يقل به أحد (مع وجود الاثني عشر ألفًا) وهذا في قتال الطلب كما سبق وأشرنا، أما قتال الدفع فالثبات واجب قولًا واحدًا كما سبق وأوضحنا.

و إذا كان هؤلاء الجنود مطيعين لله وفعلوا ما أمروا به من اتباع غلبة الظن، فهم جنود الله حقًا، وجنود الله قطعًا لا يهزمون، كما أثبتنا ذلك بما لا يدع مجالًا للشك في الباب السابق. مصداقًا لقوله تعالى"وإن جندنا لهم الغالبون"الصافات 173

وغير ذلك من الأدلة التي أسهبنا في ذكرها من قبل. فلو حصلت هزيمة فهي ليست بسبب العدد قطعًا وإنما سببها المعصية بلا شك.

ونوضح أكثر فنقول: إننا قد ناقشنا في الباب السابق القيد الموضوع على سبب حتمية النصر وهو ألا يكون العدو أكثر من ضعف جيش الإسلام [2] ، فإذا زاد العدو على الضعف فالقتال ما زال مشروعًا- وإن جاز الفرار في قتال الطلب- (إلا إذا خشي الهلاك بدون إحداث نكاية [3] ، ولكن النصر ليس بحتمي، فلو هزم جيش الإسلام في هذه الحالة فليس هناك مناقضة للشرع. أما إذا بلغ عدده اثنى عشر ألفًا فقد أتى الدليل(الذي هو موضوع هذا الباب كله) بأن هذا الجيش لن يغلب، وهذا الدليل وإن كان ظني الثبوت ولكن الشرع شرّع لنا العمل

(1) انظر ص 51 من هذا الباب.

(2) راجع ص 38 من هذه الدراسة.

(3) انظر"قواعد الأحكام في مصالح الأنام"للعز بن عبد السلام، مؤسسة الريان، الطبعة الثانية 1419 هـ 1998 م، جـ 1، ص 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت