سابقًا [1] ، ولن يجد الكافر المستكبر حجة يضله بها الشيطان ليظل على كفره، فاقتضت حكمة الله من ابتلاء بني آدم أن يبقى ستار ولو رقيقًا من الغيب حتى يميز الله الخبيث من الطيب، فيحتاج الأمر إلى بعض التأمل من الكافر حتى يؤمن ولا يكون الأمر هكذا كفاحًا ويظهر ما أريد قوله إذا أخذنا قذف النبي صلى الله عليه وسلم التراب في وجه الكفار حتى لم تبق عين كافر إلا دخلت فيها شيء منها، قال تعالى:"وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"الأنفال: 17 لماذا لم يدخل التراب في عيون الكفار دون أن يرمي الرسول صلى الله عليه وسلم؟!! قد تكون الحكمة لكي يقول الكافر: دخل التراب في عيني نتيجة لهذه الرمية، كما يقول هزمت في الحرب لأن روحي المعنوية انخفضت وفرسي عثرت، وأسلحتي كلّت وخطتي فشلت ... إلخ، ولم يسأل نفسه لماذا في حرب جيش الإسلام بالذات يحدث هذا؟ وليس مرة أو مرتين أو ثلاث بل بصورة مطردة بينما إذا حاربت جيشًا لكفار مثله لا يحدث نفس الأمر؟"ومن يضلل الله فما له من هاد"الزمر، 36.
الشبهة الثالثة:
يعمد البعض إلى نفي صحة الأعداد الواردة في هذه المعارك، ويصفها بالأساطير، وهنا نقول: إن الفاصل في نقل الأخبار هي الأسانيد فعندما تنقل أعداد معركة عن طريق عدول ضابطين أو تتواتر، فلا يقبل بحال رد هذه الأخبار حتى لو اتبعنا المنهج العلمي لبيكون، فمعنى العدل الضابط في الإسلام هو الرجل المشهور بالصلاح الذي لا يعرف عنه كذب ولا وهم في الرواية طوال حياته، فلماذا يكذب بالذات عندما يروى أحداث معركة أو عدد أفرادها، ثم إن الأمر تواتر تواترًا معنويًا [2] ، بأن المسلمين يكونون أقل من عدوهم عددًا وعدة ومع ذلك ينتصرون عليهم، لا يستطيع أحد أن ينكر ذلك، إلا بمنهج السفسطة الذي يمكن عن طريقه إنكار ان
(1) راجع ص 34 من هذا المبحث.
(2) شرحنا معنا التواتر المعنوي ص 55 من هذا البحث.