على العدد أيضًا، وهنا لم يسع الذين تأولوا النص على العدد عند ملاقاة الضعف تأويل النص على العدد في الاثني عشر ألفًا، لأن وجود النسبة في الحالة الأولى - واحد إلى اثنين- احتمل (وإن خالف الظاهر) التأويل بالقوة، أما عدم وجود نسبة أصلًا في الاثني عشر ألفًا يجعل التأويل بالقوة خارج نطاق المقبول، لأن القوة في القتال- حتى في الحروب الحديثة- تقاس بعدد الأفراد وعدد السلاح ونوعه، فالفارس مثلًا كان يمثل ثلاث وحدات، والراجل وحدة واحدة، ولو كان راجلا لا يملك من سلاح إلا الحجارة قد يمثل عشر وحدة لكن يستحيل اعتباره صفرًا، ولهذا عندما علل ابن يونس (من المالكية) تأويله للضعف بأنه يشترط مع ذلك تقارب القوة في السلاح قال ما نصه:"لأن الواحد معدًّا يعدل عشرة غير معدين) [1] ، ولكنه لا يستطيع أن يقول عشرين مثلًا، لأن العشرين الأغلب انهم سينتصروا على الواحد المعد، بل في انتصار الواحد المعد على العشرة فيه نظر، المقصود أن المقاتل مهما ضعف تسليحه سيمثل وحدة من وحدات القوة، فلو فرضنا عدد لا متناهي من المقاتلين سيكون عندنا قوة لا متناهية مهما ضعف تسليح المقاتل الواحد منهم، ولهذا فمهما زاد تسليح الانثي عشر ألفاَ فهو سيمثل في النهاية قوة مادية محدودة، هذه القوة بنص الحديث لن تغلب مهما زاد عدد الجيش المقابل، يعني حتى لو فرضنا- أن قوته غير متناهية (وذلك من باب التقريب وإلا فلا توجد قوة مخلوقة غير متناهية) . ومن هنا يظهر أن اشتراط تناسب العدة مع العدد مع الأخذ بحديث"لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة"أمر يتنافى مع مقتضيات العقل السليم [2] ."
ثانيًا: بتحليل الكلام الوارد عن العلماء في المسألة نجد أنهم لم يخرجوا قيد أنملة عن أولًا، فنجد السرخسي يقول شارحًا قول محمد بن الحسن وقوله:"لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة دليل على أنه لا يحل للغزاة أن ينهزموا وإن كثر العدو إذا بلغوا هذا المبلغ لأن من لا يغلب فهو غالب ..." [3] ولا يشير من قريب أو بعيد هنا لمسألة العدة، ثم بعد ذلك بعدة صفحات نجده
(1) راجع ص 131 من هذه الدراسة.
(2) راجع بسط آخر لهذه المسألة، ص 129، 133، ص 139، من هذه الدراسة.
(3) راجع قوله بتمامه، ص 127 من هذه الدراسة.