دعوته وحماتها من التنابلة الكسالى، لقد شاء الله تعالى أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم كي يتم نضجهم هم في أثناء المعركة، فالبنية الإنسانية لا تستيقظ كل الطاقات المذخورة فيها كما
تستيقظ وهي تواجه الخطر، وهي تدفع وتدافع وهي تستجمع كل قوتها لتواجه القوة المهاجمة، عندئذ تتحفز كل خلية بكل ما أودع فيها من استعداد لتؤدي دورها، ولتتساند مع الخلايا الأخرى في العمليات المشتركة، ولتؤتي أقصى ما تملكه، وتبذل آخر ما تنطوي عليه، وتصل إلى أكمل ما هو مقدور لها وما هي مهيأة له من الكمال ... والنصر السريع الذي لا يكلف عناء، والذي ينزل هيّنًا لينًا على القاعدين المستريحين يعطل تلك الطاقات عن الظهور، لأنه لا يحفزها ولا يدعوها، وذلك فوق أن النصر السريع الهين اللين سهل فقدانه وضياعه .. وهناك التربية الوجدانية والدربة العملية تلك التي تنشأ من النصر والهزيمة، والكر والفر، والقوة والضعف، والتقدم والتقهقر، ومن المشاعر المصاحبة لها ... ومعها التجمع والفناء في العقيدة والجماعة والتنسيق بين الاتجاهات في ثنايا المعركة قبلها وبعدها ... وكلها ضرورية للأمة التي تحمل الدعوة وتقوم عليها وعلى الناس من أجل هذا كله، ومن أجل غيره مما يعلمه الله، جعل الله دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم أنفسهم ..." [1] . اهـ."
وقد يضاف إلى ما سبق اصطفاء الله عز وجل للشهداء، وعبادة التضحية بالنفس في سبيل الله والتي لا تتحصل إلا في الجهاد، ومرتبة الشهادة في الجنة التي لا يتم الوصول إليها إلا بالقتال في سبيله سبحانه.
ولكن هناك حكمة مهمة للغاية لا بد من تدبرها جيدًا فهي أساس التكليف البشري في الدنيا، ومقتضى الأمانة التي عرضت"على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا"الأحزاب 72
وهي الإيمان بالغيب الذي يفرق بين المؤمن والكافر، فلو كان المؤمنون ينتصرون على عدوهم
(1) في ظلال القرآن، سيد قطب، جـ 4، ص 2426