وهنا لا بد ان يثور تساؤل: هل كون المسلمين منصورين لو كانوا على الشطر من عدوهم أو أكثر يعتبر في العدد فقط أم العدد والعدة جميعًا؟ بمعنى هل من شرط حتمية نصر جيش الإسلام أن يكون عدد عدوه على الأقل بغض النظر عن أي تناسب بينهم في العدة (مع الوضع في الاعتبار أن جيش الإسلام قد استفرغ وسعه في إعداد العدة طاعة لله عز وجل) أم أنه يشترط التناسب في العدة فتكون العدة على النصف على الأقل، وذلك للقول بحتمية النصر؟!
هذه مسألة اختلف فيها العلماء.
قال ابن رشد في مقدماته:" وقد اختلف في تأويل الضعف فقيل هو في العدد فيلزم المسلمين أن يثبتوا لمثلي عددهم من المشركين وإن كانوا اشد سلاحًا منهم وأظهر جلدًا وقوة وهو قول أكثر أهل العلم، وقيل تأويل ذلك في الجلد والقوة ويلزمهم أن يثبتوا لأكثر من الضعف إذا كانوا أشد منهم سلاحًا وأظهر جلدًا وقوة وخافوا ان يغلبوهم ...." [1] اهـ.
وأيًّا كان الراجح في هذا الخلاف فلا بد من ملاحظة الآتي:
أولًا: لا أعرف خلافًا في أن مئة صابرة من جيش الإسلام معها نصف عدد وقوة مئتين من الكفار لا بد حتمًا أن ننتصر عليهم إذا كانت مطيعة لله عز وجل هذا وعد الله وقدره الذي لا يتخلف، وهذه الحتمية مخالفة تمامًا للاقتصار على منهج العلم التجريبي في تفسير النتيجة، وهو ما يجرنا للملاحظة.
الثانية: إن معرفة الراجح في هذا الخلاف لا يكون عن طريق تحكيم العقل التجريبي أي العقل الذي لا يعرف غير المنهج التجريبي المادي المحسوس الذي تحدثنا عنه في المقدمة لتفسير النتائج، ولكن الترجيح يكون بوسائل الترجيح في المسائل الشرعية التي قررها الإسلام والموجودة في كتب أصول الفقه سواء كان من سيقوم بالترجيح مجتهدًا أو مقلدًا بقواعد خاصة بكل
(1) المدونة الكبرى للإمام مالك، ومعها مقدمات ابن رشد لبيان ما اقتضته المدونة من أحكام للإمام الحافظ أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد المتوفى سنة 520 هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان 1406 هـ، 1986 م، جـ 1، ص 375.