فيقول".... لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا، وفي البخاري: قال أبو الدرداء:"وإنما تقاتلون بأعمالكم"وفيه مسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم"فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة، قال الله تعالى:"اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله"آل عمران 200"
وقال:"إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون"النحل 128 وقال:"ولينصرن الله من ينصره"الحج 40 وقال:"إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون"الأنفال 45.
فهذه أسباب النصر وشروطه معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإن لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا! بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقًا وغربًا برًا وبحرًا وعمت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم [1] . اهـ.
القرطبي توفي عام 671 هـ وكان في وقته هذا قد اجتاح التتار بلاد الشام فهل هذا الكلام هو مانحن فيه الآن؟ نعم .... ولكن هناك فارق جوهري مؤثر للغاية وهو أن في زمن القرطبي كان هناك جيش إسلام يقاتل من أجل إعلاء كلمة الله وهذا الجيش كثرت فيه الذنوب والمعاصي فأصابته الهزيمة ثم ما لبث أن أصلح من شأنه وترك الذنوب والمعاصي فتنزل عليه النصر.
يقول ابن تيمية: وكذلك الشام كانوا في أول الإسلام في سعادة الدنيا والدين، ثم جرت فتن وخرج الملك من أيديهم، ثم سلط عليهم المنافقون الملاحدة والنصارى بذنوبهم، واستولوا على بيت المقدس وقبر الخليل وفتحوا البناء الذي كان عليه وجعلوه كنيسة، ثم صلح دينهم فأعزهم الله ونصرهم على عدوهم لما أطاعوا الله ورسوله واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم ...." [2] اهـ"
(1) تفسير القرطبي، جـ 3، ص 194 ..
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية، جـ 27، ص 437.