فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 60

والثالث: ضبط النقلة.

والرابع: قرائن الصدق والكذب.

فأما عدد النقلة فهو يؤثر في درجة صدق الخبر بطريقتين متعاكستين، وذلك لأن ازدياد عدد النقلة:

? إما أن يكون بـ (( طريقة عمودية ) )بأن يتكاثر عدد النقلة بتطاول السلسلة الناقلة للخبر لا بازدياد عدد النقلة في كل طبقة من طبقات سلسلة النقل، أي بأن يسمع الخبر من مصدره شخص ثم ينقله لآخر، ثم ينقله هذا الثاني إلى ثالث، والثالث إلى رابع، وهكذا ... ، فكلما طالت هذه السلسلة، أو السند، قلَّت درجة صدق الخبر وتقوَّى احتمالا الكذب والخطأ. ولأجل هذا المعنى احتفل علماء الحديث بـ (( الأسانيد العالية ) )قصيرة السلسلة بخلاف (( الأسانيد النازلة ) )طويلة السلسلة، فكلما كان الإسناد أعلى كان أقرب إلى الصدق، وكلما كان أسفل كان أبعد عنه.

? وإما أن يكون ازدياد عدد النقلة بـ (( طريقة أفقية ) )بأن يتكاثر السامعون للخبر من مصدره، أو في كل طبقة من طبقات سنده، ففي هذه الحالة كلما ازداد عدد النقلة زادت درجة صدق الخبر وقل احتمالا الكذب والخطأ. وتظل درجة صدق الخبر في ازدياد واحتمالا الكذب والخطأ في انخفاض بازدياد عدد النقلة واحدا فواحدا إلى أن تصل درجة الصدق إلى الذروة ويضمحل احتمالا الكذب والخطأ تماما أو قريبا من التمام فهذا هو القطع، والعدد الذي يسببه هو عدد التواتر.

وأما عدالة النقلة، فهي التقوى، أو الوازع الديني الذي يحجز صاحبه عن الكذب أو التساهل المؤدي إلى الخطأ. وبما أن هذه العدالة أمر باطني فإنه يتعذر التحقق من توافرها في الناقل بشكل مباشر، ومن هنا لجأ علماء الحديث إلى قياس العدالة بالعلامات الظاهرة من الإسلام والعقل والبلوغ والخلو من المفسِّقات وخوارم المروءة. لكن مهما بلغ علماء الجرح والتعديل من الكفاءة في التحقق من الرواة وتتبعهم فإنه لا يمكنهم، مع ذلك، القطع بعدالة راو ما ـ لم يشهد له الشارع بذلك قطعا ـ وإنما هي غلبة الظن، كيف لا والمصطفى، صلى الله عليه وسلم، يقول: (( إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة ) ) [1] .

وأما ضبط النقلة، فهو يحدِّد درجة الدقة في نقل الخبر، وبالنسبة للحديث الشريف فقد كان الضبط يعتمد عند أوائل الرواة على قوة الحفظ أو (( ضبط الصدر ) )؛ لأن كتابة الحديث بكثرة لم تبدأ إلا مع نهاية القرن الهجري الأول. وآفةُ الحفظ النسيان، وخطر النسيان يكمن فيما ينجم عنه من التخليط والزيادة والنقص والتبديل. وبمرور الوقت دخلت الكتابة ومُورس بالإضافة إلى

(1) البخاري، الصحيح، ج 3، ص 1061. ومسلم، الصحيح، ج 1، ص 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت