قلت: وذلك موافقًا لجملة من المناهي التي نهى فيها الشرع عن التشبه بالحيوانات في هيئات الصلاة.
فدل ذلك على أنَّ من السنة أن يغيِّر المرء الموطن الذي يصلي فيه في المسجد ,ولا يلازم موطنًا بعينه، فإنَّ هذه المواطن التي يصلِّي فيها المرء تشهد له يوم القيامة.
قال الشوكاني: وَالْعِلَّة فِي ذَلِكَ تَكْثِير مَوَاضِع الْعِبَادَة كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ وَالْبَغَوِيِّ لِأَنَّ مَوَاضِع السُّجُود تَشْهَد لَهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: 4] أَيْ تُخْبِر بِمَا عُمِلَ عَلَيْهَا، وَوَرَدَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ} [الدخان: 29] "إنَّ الْمُؤْمِن إذَا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ مُصَلَّاهُ مِنْ الْأَرْض وَمِصْعَدُ عَمَلِهِ مِنْ السَّمَاءِ". [1]
فإن قيل: روى أحمد وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا (لا يُوطِّن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر، إلا تبشبش الله به حتى يخرج، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم، إذا قدم عليهم) . [2] ... فالحديث يشير إلى مشروعية التوطن في المساجد، فكيف الجمع؟؟
(1) انظرنيل الأوطار (3/ 197) وقوله - تعالى - {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ} قد ورد في تفسيرها أثار مرفوعة وموقوفة لم يصح منها إلا ما ورد عن عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: إنه ليس أحد إلا له باب في السماء ينزل فيه رزقه ويصعد فيه عمله، فإذا فُقِد بكت عليه مواضعه التي كان يسجد عليها، وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض عمل صالح يقبل منهم، فيصعد إلى الله عزّ وجلّ ا. هـ ذكره الحوينى، حفظه الله. وأثر ابن عباس - رضى الله عنهما- قد أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (1/ 335) أما ورد مرفوعًا في تفسير هذه الآية عند الترمذى (3255) فسنده ضعيف، قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلاَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَمُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبَانَ الرَّقَاشِي يُضَعَّفَانِ فِي الحَدِيثِ. وانظر تفسير القرآن العظيم (4/ 164) والسلسلة الضعيفة (4491)
(2) أخرجه أحمد (8065) ابن خزيمة (1503) وابن حبان (1607) والحاكم (1/ 213) ، وقال: (( على شرط الشيخين ) )ووافقه الذهبي والألباني و مقبل الوادعي، وفي (( مسند أحمد ) ) (8051) ؛ بلفظ: (( لا يتوضأ أحدكم فيحسن الوضوء ) )، وصحح إسناده أحمد شاكر، وانظر صحيح الجامع (5604) والبش: قال ابن الأثير: فرح الصديق بالصديق، واللطف في المسألة والإقبال عليه، وقد بششت به أبش، وهذا مثل ضربه لتلقيه إياه ببره وتقريبه وإكرامه. قلت: وهذا مع اثبات صفة الْبَشْبَشَةُ أو الْبَشَاشَةُ لله - تعالى- كصفة فعلية لله عَزَّ وجَلَّ ثابتة بالحديث الصحيح. وانظرالنهاية في غريب الأثر (1/ 130) الصحيح المسند ممَّا ليس في الصحيحين (2/ 322)