الصفحة 29 من 50

والذي يميل إليه الباحث من بين هذه الأقوال كلها أن الإغماء لا يفسد الصوم إذ لم أطّلع على دليل واضح يقتضي إفساده للصوم،

وهذا الذي اختاره قطب الأئمة في شرح النيل حيث قال:"والواضح أنه إن نوى الصوم ليلا وأغمي عليه بعد ذلك أو جن أو نام ولم يحدث ما يبطل الصوم صح صومه" [1]

وإنما يبقى الكلام في اشتراط النية للصوم: فعلى قول من قال إنه لا بد من تجديد النية في كل ليلة فإن من أغمي عليه ليلة كاملة أو قبل أن ينوي الصيام و استمر به الإغماء إلى طلوع الفجر فإن عليه أن يعيد يومه، و أما إن أغمي عليه بعد أن نوى الصيام فصومه صحيح ولو استغرق النهار كله.

وعلى قول من يقول بأن رمضان تجزي فيه نية واحدة فإن نوى صيام رمضان في أول ليلة منه فإن صومه صحيح و لو استغرق إغماؤه جميع رمضان، و أما إن أغمي عليه قبل أول ليلة من رمضان فأفاق في أثنائه فعليه قضاء الأيام السابقة، وإن أغمي عليه حتى خرج رمضان فعليه قضاؤه جميعا، وهذا كله على قول من قال بأن الإغماء مرض ويعامل معاملته وأما من يعامل المغمي عليه معاملة فاقد العقل فلا يلزم القضاء من أغمي عليه الشهر كله.

وبناء على هذا فإن التخدير إن كان بمادة لا يصل منها شيء إلى الجوف كالتخدير عن طريق الإبر الصينية، أو كان الواصل قليلا جدا لا يتجاوز المقدار الداخل أثناء المضمضة والاستنشاق كالتخدير عن طريق الشم، فإنه - أي التخدير- لا يؤثر على الصوم، وإن كان بمادة تصل إلى الجوف كالتخدير بواسطة الإبر الوريدية ونحوها فذلك ينقض الصوم لا بسبب التخدير وزوال العقل وإنما بسبب وصول مادة إلى موضع التفطير.

ولينتبه أن كلامنا هنا في ذات التخدير أما ما قد يحصل للمريض بعد ذلك أو ما قد يعطاه من أدوية فله حكم آخر.

(1) - شرح النيل: 3/ 395

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت