ترخيص في فترة زمنية ثم رفع الحكم بعد ذلك، فاختلف الأمران، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فحديث الترخيص في الحجامة تعتضد دلالته بدلالة الأحاديث السابقة و اللاحقة.
5 -حديث ثابت البناني أنه سأل أنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا إلا من أجل الضعف، وزاد في رواية: على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- [1] .
وظاهر هذه الرواية أن ثابتا سأل ليعلم الحكم في المسألة وما كان عليه عمل الصحابة فسأله بصيغة الجمع (تكرهون) فأجابه أنس بأنهم كانوا يكرهونها مخافة الضعف، وهذا يقوي ما أجاب به الجمهور عن حديث"أفطر الحاجم والمحجوم"من أنه بمعنى تعرّض للفطر بسبب ما يصيبه من ضعف، وهذا الجواب وإن كان لا يخلو من التكلف إلا أنه لابد من المصير إليه للجمع بين الروايات إن لم نقل بأن حديث:"أفطر الحاجم والمحجوم"منسوخ.
6 -حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم-"احتجم بعد ما قال أفطر الحاجم والمحجوم" [2] .
والجواب عنه: بأنه حديث ضعيف ولو ثبت لكان نصا في الموضوع.
7 -حديث رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"نهى النبي عن الحجامة للصائم وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه" [3]
قال الحافظ في الفتح:"إسناده صحيح والجهالة بالصحابي لا تضر" [4] .
ولهم أدلة أخرى.
هذا وحديث:"أفطر الحاجم والمحجوم"فيه إشكال من ناحية متنه، فإذا كان إفطار المحجوم لأجل خروج الدم منه فما بال الحاجم؟! فإن قيل: لأنه تسبب لتفطير المحجوم، فالجواب عن ذلك هو: هل كل من تسبب لتفطير أحد يعد مفطرا، فلو سقى أحد مريضا دواء أيفطر الساقي؟! فكذلك قد يكون المحجوم محتاجا إلى الحجامة فلماذا يفطر حاجمه؟! ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لم يستفسر المحجوم عن الذي دفعه إلى الاحتجام حتى يتبين هل الحاجم معذور أم لا، إن لم يعذر المحجوم؟، على أن من شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الترخيص لمن كان جاهلا بالحكم رأسا فيما سبق كما رخص لمن ركع قبل أن يصل الصف فلم يأمره بالإعادة مع نهيه عن العود [5] ، وكعدم أمره من أكل من صحابته بعد طلوع الفجر ما لم يتبين له رؤية الخيط الأبيض من الخيط الأسود ظانا أن ذلك معنى الآية [6] ، وترخيصه - صلى الله عليه وسلم- لمن قدّم أو أخّر في مناسك الحج في اليوم العاشر [7] ، فكان مقتضى ذلك أن ينهاهما عن العود إلى الحجامة مع عدم القول بفطرهما، ثم إنه إن كان الإفطار لأجل إخراج الدم فيلزم على ذلك إفطار من تعمد وأخرج الدم من أي مكان من جسده وكثير ممن يقول بالتفطير بالحجامة يرخص في إخراج الدم القليل، ولا أدري علة هذا الترخيص؟! فإن قالوا: القلة، قيل
(1) - تقدم تخريجه.
(2) - رواه الطبراني في الأوسط (7890) .
(3) - رواه أبو داود (2371) ، وأحمد (1858) ، وابن أبي شيبة، من رخص للصائم أن يحتجم (17) ، وعبد الرزاق (7535)
(4) - فتح الباري: ابن حجر، دار المعرفة، ج 4، ص 178.
(5) - رواه اليخاري (783)
(6) - رواه البخاري (1917) ، ومسلم (1090)
(7) - رواه الربيع (435) ، والبخاري (1735) ، ومسلم (1306) .