الصفحة 35 من 50

وأجاب عن هذا ابن حزم بقوله: إن أبانظرة وقتادة أوقفاه عن أبي المتوكل على أبي سعيد، وأن ابن المبارك أوقفه عن خالد الحذاء عن أبي المتوكل على أبي سعيد، ولكن هذا لا معنى له إذا أسنده الثقة والمسندان له عن خالد و حميد ثقتان فقامت به الحجة، ولفظة أرخص لا تكون إلا بعد نهي فصح بهذا الخبر نسخ الخبر الأول [1] .

ب- أن ذكر الحجامة فيه ليس من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم، قال ابن خزيمة: الصحيح أن ذكر الحجامة فيه من كلام أبي سعيد، ولكن بعض الرواة أدرجه فيه [2] .

ويجاب عن هذا: بأن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت ذلك، والحديث رواه ابن حزم بلفظ أن رسول -صلى الله عليه وسلم- أرخص في الحجامة للصائم، زاد حميد في روايته"والقبلة" [3] .

ج- أنه ليس فيه بيان للتاريخ، ولا يدل على أن هذا الترخيص كان بعد الفتح، وقولكم إن الرخصة لا تكون إلا بعد النهي باطل بنفس الحديث، فإن فيه:"رخص الرسول -صلى الله عليه وسلم- في القبلة للصائم" [4] ولم يتقدم منه نهي عنها ولا قال أحد إن هذا الترخيص فيها ناسخ لمنع تقدم، وفي الحديث:"إن الماء من الماء كانت رخصة في أول الإسلام" [5] فسمي الحكم المنسوخ رخصة مع أنه لم يتقدم حظره بل المنع منه متأخر [6] .

ويجاب عن هذا: بأن الأصل في الترخيص أن يكون بعد النهي، ويدل له هنا حديث جعفر بن أبي طالب المتقدم، وفيه التصريح بأن الرخصة متأخرة عن التفطير، وأما قوله: رخص في القبلة فقد يقال بأنهم استفادوا المنع منها من عموم الأدلة المانعة من المباشرة، كآية البقرة وحديث:"يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي" [7] ، ولأن القبلة داعية لما بعدها ومظنة لقضاء الشهوة فمن هنا احتاجت إلى الترخيص، ويدل على هذا ما وقع من عمر ـ رضي الله عنه ـ عندما قبّل وهو صائم، فجاء إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله صنعت أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم، فقال صلى الله عليه وسلم:"أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم ... إلخ [8] ."

فقول عمر: صنعت اليوم أمرا عظيما، يدل على تحرزهم منه وتوهمهم المنع منه.

وأما حديث:"الماء من الماء كان رخصة في أول الإسلام"فذلك بالنظر إلى الحكم الذي استقر بعد من وجوب الغسل بالتقاء الختانين ولو لم يحصل إنزال.

وقد يعترض على هذا: بأن الترخيص في عدم الفطر بالحجامة كان بالنظر إلى ما استقر عليه الحكم بعد ذلك من الفطر بها، وهو اعتراض قوي، إلا أن حديث جعفر المتقدم يدفع هذا الاحتمال فهو صريح في تأخر الترخيص، كما أن ظاهر سياق هذا الحديث نفسه يستفاد منه أن الترخيص في الحجامة للصائم كان بعد المنع منها، بينما سياق حديث:"الماء من الماء كانت رخصة في أول الإسلام"يدل على أن هذا

(1) - المحلى، ج 4، ص 337.

(2) - عون المعبودج 6 ص 408 (تعليقات ابن القيم على سنن أبي داود) .

(3) - المحلى، ج 4، ص 408.

(4) - رواه البيهقي (8271) .

(5) - رواه أبو داود (214) ، والترمذي (110) ، وأحمد (21158) ، وابن ماجه (609) .

(6) - عون المعبود: ج 6، ص 408 (تعليقات ابن القيم على سنن أبي داود) .

(7) - تقدم تخريجه.

(8) - رواه أبو داود (2382) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت