ويجاب عن هذا: بأن ذلك مما لا يمكن أن يرد به الحديث، إذ لم يحط أحد أيا كان بأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم-، فقد يكون أهل البصرة اطلعوا على أحاديث التفطير ولم يطلعوا على الأحاديث الناسخة لها، أو أنهم قد وصلتهم من طرق لا تثبت فعولوا على أحاديث التفطير ولهذا أمثلة كثيرة جدا.
هـ- أن حديث أنس جاء من طريق ثابت وهو من أكبر مشايخ البصرة ومن أخص أصحاب الحسن فكيف تشتهر بين أهل البصرة السنة المنسوخة ولا يعلمون الناسخة ولا يعلمون بها ولا تعرف بينهم ولا يتناقلونها بل هم على خلافها، هذا محال [1] .
ويجاب عن ذلك: بأنه غير محال، فإن ثابتا بشر يعتريه ما يعتري البشر من النسيان، والذهول والخطا، فقد يكون نسي روايته لهذا الحديث، كما وقع ذلك لكثير من الصحابة ومن بعدهم، والعبرة برواية الراوي لا برأيه، ثم من ناحية أخرى إن اشتهار حديث التفطير بين أهل البصرة لا يلزم منه أن ثابتا هو الآخر يقول ذلك، ولئن خفيت على أهل المدينة أحاديث كثيرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حتى أن الإمام مالكا كثيرا ما يصرح بأنه وجد أهل المدينة يعملون بكذا أو يقولون كذا مع ثبوت الأحاديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- بخلاف ذلك و قد يكون بعضها من طريق علماء أهل المدينة فكيف بغيرهم.
والحق أن الحديث إذا ثبت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم-وكان من الأحاديث التي يمكن أن تخفى على بعض الصحابة أو التابعين فلا يمكن رده بحجة أن فلانا أو أهل بلدة ما لم يطلعوا عليه.
و- أيضا: فأبو قلابة من أخص أصحاب أنس، وهو يروي قوله:"أفطر الحاجم والمحجوم"من طريق أبي أسماء عن ثوبان ومن طريق أبي الأشعث عن شداد، وعلى حديثه اعتمد أئمة الحديث وصححوه، وشهدوا أنه أصلح أحاديث الباب، فلو كان عند أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أحاديث تنسخ ذلك لكان أصحابه أعلم بها وأحرص على روايتها من أحاديث الفطر بها [2] .
والجواب عن هذا تقدم في ما سبق، ناهيك أن حديث النسخ رواه عن أنس ثابت وهو من أكبر مشايخ أهل البصرة كما يقول ابن القيم نفسه.
4 -حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري أن النبي ... - صلى الله عليه وسلم- رخص في الحجامة للصائم [3] .
قال الدار قطني: كلهم ثقات وغير معتمر يرويه موقوفا [4] .
وقال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط، إلا أنه قال: رخص في القبلة والحجامة للصائم، ورجال البزار رجال الصحيح. انتهى [5] .
و قد اعترض ابن القيم على الاستدلال بهذا الحديث من ثلاثة وجوه:
أ - أنه حديث اختلف في رفعه ووقفه، والواقفون له أكثر وأشهر فالحكم لهم عند المحدثين [6] .
(1) - المرجع السابق نفسه: ج 6، ص 407.
(2) - عون المعبود: ج 6، ص 408،407 (تعليقات ابن القيم على سنن أبي داود) .
(3) - رواه النسائي (3241) ، البيهقي في السنن الكبرى (8269) ، والدارقطني (2239) ، والبزار كما في كشف الأستار (1/ 480) ، وابن حزم في المحلى ج 4 ص 337، والطبراني في الأوسط (2725) .
(4) - سنن الدارقطني: ج 2، ص 163.
(5) - مجمع الزوائد: الهيثمي، ج 3 ص 170.
(6) - عون المعبود، ج 6، ص 408،407 (تعليقات ابن القيم على سنن أبي داود) .