الصفحة 33 من 50

كما حاول ابن القيم إعلال هذه الرواية من وجوه وهي:

أ- أن هذا الحديث لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمدة ولا أصحاب الصحيح، ولا أحد من أهل السنن مع شهرة إسناده وكونه في الظاهر على شرط البخاري، ولا احتج به الشافعي مع حاجته إلى إثبات النسخ حتى سلك ذلك المسلك في حديث ابن عباس [1] .

والجواب عن هذا: أن الأحاديث إن صحت لا يمكن أن تعل بمثل هذا، إذ قد ينفرد إمام من الأئمة بحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- دون الآخري، ومن ذا الذي أحاط بالسنة؟! ومن تتبع كتب الحديث وجد أحاديث متعددة لم يخرجها إلا إمام أو إمامان من أئمة الحديث.

ب- أن جعفر- رضي الله عنه - إنما قدم من الحبشة عام خيبر وقيل: عام مؤتة وقيل: الفتح، ولم يشهد الفتح وصام مع النبي - صلى الله عليه وسلم- رمضان واحدا سنة سبع، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم- أفطر الحاجم والمحجوم بعد ذلك في الفتح سنة ثمان، فإن كان حديث أنس محفوظا فليس فيه أن الترخيص وقع بعد عام الفتح، وإنما فيه إنما الترخيص وقع بعد قصة جعفر، وعلى هذا فقد وقع الشك في الترخيص، وقوله في الفتح:"أفطر الحاجم والمحجوم"أيهما هو المتأخر إلى أن قال: ومع وقوع الشك في التاريخ لا يثبت النسخ [2] .

ويجاب عن هذا: بأن الظاهر أن أنسا -رضي الله عنه- إنما ساق الرواية للتدليل على نسخ حديث التفطير، ويدل على هذا نهاية الحديث الذي فيه"وكان أنس يحتجم وهو صائم"، ويستأنس لهذا بأن أنسا -رضي الله عنه- من رواة حديث أفطر الحاجم والمحجوم.

ج- قال: وأيضا فالذي يبين أن هذا لا يصح عن أنس ما رواه البخاري في صحيحه عن ثابت قال"سئل أنس أكنتم تكرهون الحجامة للصائم قال: لا إلا من أجل الضعف"وفي رواية على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- [3] ، فهذا يدل على أن أنسا لم تكن عنده رواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه فطر بها ولا أنه رخص فيها .... ولو علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم- رخص فيها بعد الفطر بها لم يحتج أن يجيب بها من رأيه [4] .

والجواب عن هذا: أن رواية البخاري لا دلالة فيها على ذلك، إذ لم يتعرض أنس إلى إثبات ولا نفي التفطير عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- و ليس في هذا ما يدل على أنه ليس معه شيء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يثبت النسخ، بل في الرواية إشارة واضحة إلى استقرار الحال معهم - أي الصحابة- على عدم التفطير بالحجامة، خاصة وأن رواية:"على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -"تؤكد ذلك.

د- أن من المعلوم أن أهل البصرة أشد الناس في التفطير بالحجامة وأنهم كانوا إذا دخل شهر رمضان يغلقون حوانيت الحجامين، وأن الحسن وابن سيرين إمامي البصرة كانا يفطّران بالحجامة مع أن فتاوي أنس نصب أعينهم فكيف يكون عند أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم- رخص في الحجامة للصائم بعد نهيه عنهما [5] .

(1) - عون المعبود: ج 6، ص 406 (تعليقات ابن القيم على سنن أبي داود) .

(2) - عون المعبود: ج 6 ص 406 (تعليقات ابن القيم على سنن أبي داود) .

(3) - رواه البخاري (940) ، والبيهقي (8265) ، ونحوه عند أبي داود (2372) .

(4) - عون المعبود: ج 6 ص 407 (تعليقات ابن القيم على سنن أبي داود) .

(5) - المرجع السابق نفسه: ج 6، ص 407.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت