الصفحة 31 من 44

وذلك لجملةِ أسبابٍ منها:

1 -أن الصورةَ الواردة في الحديث الذي هو عمدة مذهب الجمهور؛ ليست هي الصورة التي معنا في هذا الترجيح؛ فتلك صورةٌ تقتضي وجود (فراش) لهذه المرأةِ المزني بها؛ ووجود سيد أو زوج يدعي هذا النسبَ وينازعُ فيه.

وصورتنا في: رجل زنى بامرأة لا فراش لها؛ وغلب على الظن بقرائن الأحوال أن هذا الولد ناتج منه وليس من رجل آخر! وطلب هذا الرجل استلحاق الولد به ولم يكن هناك منازعة.

لذلك فإن هذه الصورة محل البحث ليست معارضة بنص في محل النزاع يقتضي خلاف ما ذكره أهل القول الثاني، فتبقى على الأصل وهو: أن هذا الولد نتج طبعًا من هذا الماء.

2 -أن هذا القول - أعني الثاني - يحقق مقصدًا من المقاصد الضرورية التي جاءت الشريعة بتحقيقها في المكلفين؛ وهو هنا (مقصد حفظ النفس) وبيانه: أن حفظ النفس مقصد ضروري, وفي تنسيب الولدِ لأبيه حفظٌ له من مفاسد وشرور كثيرةٍ منها: أنه إذا خرج على هذا الحياة وحيدًا فاقدًا لأب يرتبط به وينتسبُ إليه فإنه لن يجدَ من ينفق عليه ويقوم بحمايته ورعايته؛ و بما يكفلُ له - في الغالب -حياةً كريمة آمنة!

بل سيعيش كسيرَ النفس خامل الذكر؛ منبوذًا في مجتمعٍ لم يعد ذلك المجتمع الذي يتراحم الناسُ فيه ويعطفُ بعضُهم على بعض، وفي هذا هلاكه ولا شك! وهو إن لم يكن هلاكًا حسيًا فهو هلاكٌ نفسي ومعنوي وهو لعمرُ الله أشد وأنكى!

ومن أثار هذا الوضع المحتملة بل الواقعة غالبًا: سهولة إنجراف هذه الفئة المجهولة النسب, المعدومة الهوية؛ في حبائل الفساد والرذيلة, فيتولد عن ذلك شرور عظيمة تتعدى هذه الفئة نفسها إلى المجتمع بأكمله!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت