وبسؤالي لعددٍ من المعنيين والمختصين في «دور رعاية اللقطاء» أو الذين يعرفون هذه الفئة من الناس - وفي مجتمعات ودول مختلفة - ظهر لي: أن هذه الفئة - وبنسبةٍ غالبة - مقارنةً بغيرهم, وأعني بهم: من يعيش في مجتمعٍ ما وهو منسوب لأمه وغير منسوب لأب؛ ويعلم عن حقيقة وضعه ونسبه! أن كثيرًا منهم ينشأون وهم ينقمون على مجتمعهم, لذلك يسهل لديهم الوقوع في الجريمة.
ولأجل ذلك ولغيره حُرم الزنا أصلًا بل وعدَّ من كبائر الذنوب وقبائح الأفعال؛ لأنه يؤدي إلى مثل هذه المفاسد من ضياع الأنساب وهلاك الأولاد!
ومن هذ المنطلق - واللهُ أعلم - ذهب الأصوليون في حديثهِم في مسائلِ الإكراه إلى أن الرجلَ المكرَه على الزنا والعياذ بالله لاُ يباحُ له الفعل بعذرِ الإكراه, لأن إقدامَه عليه بمنزلةِ القتل، لأنه يسوق النسلَ إلى الهلاك ويُعرضهم للضياع, فمثله مثل المكرَه على قتل نفسٍ معصومة! فلا يحلُ له استبقاء نفسه بإتلاف الأخرى, فكان الزنا بمنزلة القتل حكمًا!
وهو ما تنبّه له الأصوليون, ومنهم التفتازاني بقوله: (بخلاف زنا الرجل فإنه بمنزلة القتل; لأنه قطع النسب .. ) [1] .
وفي هذا المعنى الذي سبق يقول الإمام الغزالي - رحمه الله: ( .. فإن نصب القوام على الطفلِ, لحضانته وصيانته، وإنفاق ماله عليه, وشراء الطعام له، واستئجار من يقوم بمصلحته، واقعٌ في محل الضرورة, لأن الحاجةَ إلى النفقةِ والحضانةِ طبيعةٌ جبليةٌ في حال الصغر, وفي الإعراض عنها سعيٌ في هلاك الصبيان كلهم, وفيه هلاكُ النفوس وانقطاع الجنس, فهذا يقعُ موقع الضرورة .. ) [2] . فما أعمقهُ من فَهم وما أدقَهُ من تصور! ينطلقُ وينسجم مع قواعد الشريعةِ ومقاصدها.
(1) شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه - (ج 2 / ص 425) .
(2) شفاءُ الغليل ص 166.