ثانيهما: فهم الواجب في الواقع ,وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الواقع, ثم يطبق أحدهما على الآخر. [1]
وقرر الدكتور القرضاوي أن: الذي لا يعي الواقع ,ولا يحس بمشاكل الناس ,لا يجوز له أن يفتي, أو يقضي بينهم. [2] وهذا يعني أنه مهما تجدد العرف يجب اعتباره, ومتى سقط لايعتبر, فقد يكون الفقيه ملمًا بآراء الفقهاء قدامى ,ومحدثين ,لكنه غير عليم بحقيقة الواقع الذي عليه الناس ,فيقع في الخلط ,والغلط ,لاسيما بعد تعقد الواقع, وظهور أنواع من التصرفات والمعاملات, ربما يحتاج فيها الفقيه إلى الاستعانة بأهل الخبرة في علوم السياسة, أو الاجتماع, أو الاقتصاد ونحوها. [3] وهذا أمر ضروري حتى يكون المجدد ملمًا بقضايا العصر وأفكاره, وثقافته (مجتهدا = مفكرا = مثقفا = مجددا) ,وعندئذ لا يقوم بالتجديد إلا أهله, و المتخصصون به, وهذا مطلب شرعي وعقلي. قال تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [4] وقوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [5] فالمعنى بهذا هو: المجتهد المفكر الذي استوعب علوم العربية ,وعلوم القرآن ,والسنة الشريفة ,وقواعد الفقه, وأصوله, وعلم الخلاف , ولا يسمح لغيره من ذوي الاختصاصات الأخرى أن يفتوا في قضايا الشريعة ,وهذا ليس وصاية على الفكر, أو الدين ,وإنما إعطاء الحرية للفكر الإسلامي المتخصص, كما تترك للطبيب حرية الحركة في علم الطب ولا نسمح للفقيه التدخل في علم الطب, وعلاج الأمراض, وإلا كان الأمر فوضى وحدث ما لا تحمد عقباه. [6]
قال الشاطبي [7] : إنما تحصل درجة الاجتهاد ,لمن اتصف بوصفين:
أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها.
الثاني: التمكن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها. [8]
(1) - إعلام الموقعين ج 1 ص 86.
(2) - الفتوى بين التسبب والانضباط ص 36.
(3) - التجديد في الفقه الإسلامي عدد 75 ص 128 - 129.
(4) - سورة النحل آية 43.
(5) - سورة النساء آية 59.
(6) - التجديد في الفقه الإسلامي عدد 75 ص 184
(7) - سبق ترجمته
(8) - الموافقات للشاطبي ج 4 ص 106 بتصرف