وعلل اشتراط الأول بأن: الشريعة مبنية على اعتبار المصالح, وأن المصالح إنما اعتبرت من حيث وضعها الشارع كذلك ,لا من حيث إدراك المكلف ,إذ المصالح تختلف عن ذلك بالنسب والإضافات.
وأما الثاني فهو: كالخادم للأول ,فإن التمكن من ذلك إنما هو بواسطة معارف محتاج إليها في فهم الشريعة أولًا, ومن هنا كان التمكن من الاستنباط خادمًا لفهم مقاصد الشريعة.
وعلل الشيخ عبد الله دراز في هامشه بقوله: لأنه لا يفهم مقاصد الشريعة إلا بواسطة هذه المعارف ,وقد تقدم أنه لابد من الكليات, التي هي ضوابط المصالح ,والمفاسد مضمومة إلى الجزئيات, التي هي الأدلة الخاصة من الكتاب, والسنة ,والإجماع والقياس ,وما يتعلق بها من المباحث ,ولا يستغنى بالكليات عن الجزئيات ,ولا بهذه عن تلك ,فالجزئيات يفهم بها مقاصد الشريعة أولًا, فهي تخدمها من هذه الجهة ,وعند الاستنباط لابد من ضمها معًا , وقد جعل التمكن شرطًا قانونًا للحصول على الاجتهاد, وفهم المقاصد شرطًا أوليًا, حتى عبر عنه بالسبب الذي هو أقوى من الشرط.
وعلله بأنه: المقصود , [1] ولا يتمكن المفتي ,ولا الحاكم من الفتوى ,والحكم إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه ,واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن, والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع, وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه, أو على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الواقع , ثم يطبق أحدهما على الآخر. ثم قال: فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله كما توصل شاهد يوسف عليه السلام بشق القميص من دبر إلى براءته ,وصدقه. وكما توصل سليمان عليه السلام بقوله: ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما"إلى معرفة عين الأم ,وكما توصل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بقوله للمرأة التي حملت كتاب حاطب لما أنكرته: لتخرجن الكتاب أو لأجردنك. إلى استخراج الكتاب منها , [2] وقد أشار إلى عمر رضي الله عنه في كتاب القضاء بقوله: فافهم إذا أدلي إليك , إن الفهم الصحيح نعمة."
(1) - الموافقات للشاطبي ج 4 ص 107
(2) - أعلام الموقعين ج 1 ص 86.