فالعلم والاعتقاد يدعو إلى العمل بموجبه ,والإرادة رغبة, ورهبة ,والعمل بموجبها يؤيد النظر ,والعلم الموافق لتلك الإرادة ,والعمل كما قال: من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم. [1]
وقد وردت آثار عن الصحابة والسلف تؤيد ذلك منها مايلي:
1 -ما روي عن علي قال: يا حملة العلم اعملوا به, فإنما العالم من عمل بما علم, ووافق علمه عمله , وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم, خالف عملهم علمهم , وتخالف سريرتهم علانيتهم ,يجلسون حلقًا, فيباهي بعضهم بعضًا حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره, ويدعه. أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله. [2]
2 -وقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول - ويكتب بذلك إلى عماله: (احفظوا عن المطيعين لله ما يقولون فإنه يتجلى لهم أمور صادقة) [3]
3 -كان عمر بن عبد العزيز يقول: (جهلنا بما علمنا تركنا العمل بما علمنا, ولو عملنا بما علمنا لفتح الله على قلوبنا غلق ما لا تهتدي إليه آمالنا" [4] "
وهذا يعني أنه: كلما استعمل العبد عقله, وعمل بعلمه ,وأخلص في عمله, وصفا ضميره ,وجال بفهمه في بصيرة العقل ,وذكاء النفس ,وفطنة الروح, وذهن القلب, وقوى يقينه, ونفى شكه, وضبط حواسه بالآداب النبوية ,وقام على خواطره بالمراقبة, وتحرى ترك الكذب في الأقوال والأفعال ,وصار الصدق وطنه ,وذهب عنه الرياء والعجب, وأظهر الفقر والفاقه إلى معبوده ,وتبرأ من حوله وقوته ,ولزم الخدمة ,وقام بحرمة الأدب ,وحفظ الحدود ,والاتباع ,وهرب من الابتداع ,زيد في معرفته ,وقويت بصيرته, وكوشف بما غاب عن الأعيان ,وصار من أهل الزيادة بحقيقة مادة الشكر الموجبة للمزيد. [5] قال ابن تيمية: فلا ريب أن الله يفتح على قلوب أوليائه المتقين ,وعباده الصالحين؛ بسبب طهارة قلوبهم مما يكرهه, واتباعهم ما يحبه, ما لا يفتح به على غيرهم ,وهذا كما قال
(1) - رسالة في التوبة ج 1 - ص 238 , مجموع الفتاوى ج 13 ص 245.
(2) - سنن الدارمي ج 1 ص 118.
(3) - رسالة في التوبة ج 1 ص 238.
(4) - درء التعارض ج 4 ص 358.
(5) - درء التعارض ج 4 ص 358.