وإن كان لم يزل في نفسي شئ من هذا الرأي إلا أنه الرأي الذي أميل إليه الآن كما وضحت أسبابه.
هل لهذا التفريق بين الدين التجاري وغير التجاري من نظير؟
الجواب: نعم, له نظير في زكاة الأرض حيث فّرق الجمهور بين الأرض المشتراة لقصد التجارة، والأرض المشتراة لغير قصد التجارة, فأوجبوا الزكاة في الأولى دون الثانية.
بل إن جمهور الفقهاء ذهبوا إلى أبعد من ذلك وهو الذي له دلالة في هذا التنظير حيث إنهم قرروا أن من اشترى أرضًا لغير قصد التجارة كمن اشتراها للسكنى ثم طرأت نية التجارة عليها فلا أثر عندهم لهذه النية على تحويل الأرض إلى تجارية تجب فيها الزكاة بل تبقى من القسم الذي لا زكاة عليه [1] .
(1) انظر التعقيب على بحث زكاة الأرض للباحث, وكان ضمن ندوة (زكاة الأراضي والمساهمات العقارية المتعثرة) التي نظمتها الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل في الرياض 12/ 2/1428 هـ الموافق 2/ 3 /2007 م.
ومما ذكرته تأييدًا لقول الجمهور:
1 -أنه لا معنى لنية التجارة التي حُكي الاتفاق عليها إلا أن تطّرد في مثل هذه الصور.
2 -أن وجوب الزكاة في العروض ليس في قوته كوجوب الزكاة في الزروع والماشية والذهب والفضة.
وما كان في أصل وجوبه كذلك فينبغي أن يقتصر الوجوب على ما ظهر دون ما خفي, وعلى ما كان الظن فيه قويًا دون ما كان الظن فيه ضعيفًا.
ومما يوضح ذلك أن حديث سمرة «مما نعده للبيع» يحتمل أن يكون الإعداد فيه معناه فقط وجود نية التجارة من حين الشراء دون الطارئة, ويحتمل أن يشمل أيضًا ما إذا طرأت النية بعد ذلك, فالاحتمال الأول لا خلاف فيه بين القائلين بوجوب زكاة العروض, بخلاف الثاني ففيه خلاف, فإذا استصحبنا البراءة الأصلية فينبغي ألا ننتقل عنها إلا بالاحتمال الأقوى الذي لا خلاف فيه.
3 -أن عدم الإيجاب في مثل هذه الصور وهي ما إذا تملك الإنسان عرضًا للقنية (كالأرض للسكنى) ثم نواه للتجارة ليس فيه إسقاط الزكاة في العروض كما قد يتبادر إلى البعض, بل هو رجوع إلى براءة الذمة في صور قليلة جدًا إذا ما قورنت بالمشاريع التجارية.
ذلك أننا لو أردنا إجراء بحث إحصائي لمن تملك أرضًا بنية القنية (للسكنى ونحوها) ثم نواها للتجارة لوجدنا أن نسبتهم ربما لا تتعدى 20%.
ثم إن نسبة هؤلاء ليست بشيء في مقابل من يتاجر بالأراضي بيعًا أو شراءً بالنقد والآجل ومنهم بلا شك تجار العقار في المساهمات العقارية ومعهم المساهمون.
لاسيما إذا أخذنا بالاعتبار أن تلك الصور القليلة التي أشرنا إليها لا تتكرر من الشخص الواحد إلا نادرًا حيث إننا لا نتصور شخصًا يشتري أرضًا للسكن ويبيعها ثم أخرى مثل ذلك ثم ثالثة. ... =
= ... لذا فلا يفعل مثل هذا إلا التاجر وهو إنما يفعل ذلك بنية التجارة من أول صفقة, وهذا لا خلاف في وجوب الزكاة عليه عند من يرى وجوب زكاة العروض.
وكأن الجمهور أخرجوا أصحاب الحاجات من إيجاب الزكاة وحصروها فقط في التجار وهو الموافق للدليل والمعنى والله أعلم.