أعني (الصحيحين) , و (( السنن الأربعة ) ), و (( سنن الدارمي ) ) (لبعضهم)
-و (( الجمع بين الأصول الستة ) ), و (( مسانيد أحمد ) ), و (( البزار ) ), و (( أبي يعلى ) ), و (( المعجم الكبير ) ), وربما زيد عليها من غيرها، وهو (( المسند الكبير ) )للحافظ (عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر) ، المعروف: (بابن كثير) (1) القرشي الدمشقي الشافعي, المحدث المتقن البارع، ذي الفضائل والتصانيف التي سارت في البلاد في حياته، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة, سماه:
1233- (( جامع المسانيد والسنن [ أ / 132 ] الهادي لأقوم سنن ) ) (2)
(1) - مصادر ترجمته: (ذيل تذكرة الحفاظ) (57/59) , و (الدرر الكامنة) (1/499) , و (الشذرات) (6/231) , و (البدر الطالع) (1/153) , و (لعجمي دمنهوري خليفة) رسالة ماجستير باسم (جهود الحافظ ابن كثير القرشي في عملي الحديث رواية ودراية) 1392هـ, بإشراف (أحمد السيد الكومي)
(2) - (كشف الظنون) (1/573) , وقال: وهو كتاب عظيم جمع فيه بين أحاديث الكتب العشرة في أصول الاسلام أعني الستة والمسانيد الاربعة اهطبع في دار الفكر ودار الكتب العلمية 1994 في (37) مجلدا بتحقيق (د.عبد المعطي قلعجي ) , ثم أعيد طبعه بنفس التحقيق في دار الكتب العلمية في (19) مجلدا, وطبع في دار خضر بيروت بتحقيق (د.عبد الملك بن عبد الله دهيش) في (***) مجلدا
قال الحافظ (ابن كثير) في مقدمته: بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب والحكمة, وأرسله للعالمين رحمة, فمن قبلها فيا لها من نعمة, ومن ردها وبدلها صارت الرحمة نقمة, أحمده على أن جعلنا من خدام السنة, القائدة لخادمها إلى سبيل الجنة, حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه, باقيا على الدوام ما تعاقبت الليالي والجمع والشهور والأعوام, و أشهد أن لا إله الله, وحده لا شريك له, لا ولد له, ولا صاحبة من الأنام, صلاة مبوئة قائلها مخلصا دار السلام و مزحزحة معتقدها عن النار ذات الآلام, ومبيضة وجه قائلها يوم تبيض وجوه المؤمنين, وتسود وجوه الكافرين اللئام, و أشهد أن محمدا عبده ورسوله, وحبيبه وخليله, سيد ولد آدم في الدارين, ورسول الله إلى الثقلين, المبعوث من الحرمين إلى من بين الخافقين, خاتم النبيين, وإمام المتقين, ومختار رب العالمين, وسيد المرسلين, الذي لا نبي بعده ولا رسول, الدائم الشريعة فلا تحول لا تزول، فصلوات الله تعالى وسلامه الأتمان الأكملان, الأدومان المستمران إلى يوم نصب الميزان, وبروز النيران, وتزخرف الجنان على سيدنا محمد النبي الأمي العربي القرشي الهاشمي المكي الأبطحي ثم المدني, نبي التوبة, ونبي الرحمة, ونبي الملحمة, و العاقب والماحي, والخاتم لجميع الأنبياء والمرسلين, الذي جمع فيه محاسن من كان قبله, واختص بفضائل لم تكن في غيره, فلهذا نسخ الله بما شرع له جميع الشرائع المتقدمة, ولم يقبل بعد بعثه من أحد من سائر الأديان عملا إلا على ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من الدين القويم والشرع العظيم، قال الله تعالى في كتابه المبين: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران:81) , قال ابن عباس - رضي الله عنه -: ( ما بعث الله نبيا إلا اخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه) رواه البخاري إمام المحدثين, وقال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85) ، ولما كان صلوات الله وسلامه عليه في غاية الكمال خلقا وخلقا وشرعا, أنزل عليه الكتاب الكريم, وهو القرآن العظيم الذي هو أعظم البراهين, إذ كان تنزيل العزيز الرحيم, وأنطقه الله بما أفهمه منه من الحكمة, وهي السنة المأثورة عنه قولا وفعلا, وتقريرا فصلا, غير أنها لا تبلي ولكن تحفظ وتروى, كما ضبطها المحفوظون من أصحابه, سفرا وحضرا, و ليلا ونهارا, وسرا وجهارا, وسألوا أزواجه أمهات المؤمنين عما كان يعانيه عندهن من أمور الدين, وعن صلواته في خلواته, وعن قيامه في الليل البهيم, فبين ذلك للأمة أتم تبيين, وضبطن ذلك أتم ضبط, وحفظ متين, ولا سيما الصديقة بنت الصديق, حبيبة حبيب الله, المبرأة من فوق سبع سماوات, عائشة أم المؤمنين, كما بسطنا ذلك في مسندها رضي الله عنها وعنهن وعنهم أجمعين
ولهذا لم تحتج أمته إلى نبي بعده, كما كانت الأمم قبلها, لا يخلو زمان عن نبي, أو أكثر يسددون أحكام كتابهم و يرشدونهم إلى ما ينفعهم في هذه الحياة الدنيا ويوم مآبهم، قال الله تعالى وبه يؤمن المؤمنون: ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا و َالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة:44) ، فقال: ( بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ) فوكل حفظ التوراة إليهم, فلهذا دخلها بعد أنبيائهم التحريف والتبديل و التأويل, ثم أضيف إلى ذلك كله النسخ, فلا يجوز الحكم به ولا التحاكم إليها, ولا الاعتماد عليها بعد نزول القرآن العظيم المهيمن عليها, وعلى ما قبلها وبعدها من الكتب السماوية, الناسخ لما فيها إلا ما قرر منها, فان الصحيح أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ, كما هو المنصوص في الأصول, كما تقرر بالمنقول والمقبول، وقال الله تعالى وهو الذي يفرده بالعبادة الموحدون (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) ، فتكفل تعالى بحفظ كتابه العزيز, فلهذا لم يهمل منه كلمة, بل حفظه الصحابة رضي الله عنهم من الرسول حرفا حرفا,فيما يجهر فيه من الصلوات وما يخفى, ومن خطبه ومواعظه المتكررة مئينا وألفا, فكان منهم من جمعه كله في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من أنصاري ومهاجري, ومنم من قرأ أكثره وأقل من ذلك, كل بحسبه, فكان منهم من أودعه صدره, ومنهم من ضبطه بكتبه، وقد ورد في حديث ( من كتب عني شيئا من القرأن فليمحه ) , خشية أن يذهب شيء من القرآن, أو يختلط بغيره بحسب أن ذلك جائز, ثم لما قاتل الصحابة أهل الردة, وأصحاب مسيلمة, وقتل منهم نحو الخمسمائة أشار الفاروق على الصديق بجمع القرآن, خشية أن يذهب شيء من القرآن بقتل بعض القراء ، فأمر زيد بن ثابت الأنصاري فتتبع القرآن يجمعه من صدور الرجال, ومن الجريد, والقحاف وألواح الأكتاف, فلم يترك منه آية إلا جمعها, ولاشاذة ولا فاذة إلا وجمعها, فكان ذلك في صحف مطهرة مكرمة, معظمة أيامي الصديق والفاروق, قلما كان عثمان بن عفان استدعى بتلك الصحف من عند أم المؤمنين حفصة, ورتب سورها على العرضة الأخيرة, التي عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل, في آخر سنينه السنية, فإنه كان يعارضه بما أوحاه إليه في كل رمضان مرة, فلما كان آخر رمضان صامه الذي أنزل عليه فيه القرآن عارضه مرتين, فكان ذلك إشارة إلى انقضاء عمر سيد الثقلين، فكتبه أمير المؤمنين عثمان بن عفان على العرضة الأخيرة منهما, وألزم الناس أن يقرؤوا على رسم ما رسمه في المصحف الإمام, ونفذ به نسخا إلى بقية الأمصار الكبار, ليقتدي بها الأنام ما بقيت الأيام ، فقابلت الأمة ذلك بالسمع والطاعة, وأحرقوا عن أمره بقية المصاحف المخالفة لتلاوة الجماعة, وكانوا قد تباينت تلاوتهم, وخطأ بعضهم بعضا, حتى كثرت القالة والشناعة, فأشار حديفة بن اليمان على عثمان بما اعتمده من هذا الصنيع, الذي لم يسبق إليه, ولا يلحق فيه, وقد أمر بمتابعته والاقتداء به صاحب الشفاعة, وود علي بن أبي طالب في أيامه أن لو كان صاحب ذلك لو قدر له, أو قدر عليه, وقد بسط بفضل عثمان كف الضراعة, وقد اخذ التابعون لهم بإحسان عنهم تلاوة القرآن, قرنا بعد قرنا, وجيلا بعد جيل, وخلف بعد سلف إلى هذا الأوان
وقد تكلمنا على ما يتعلق بالقراءات السبع في أول كل سورة, وجزء جزء وسبع, في أوائل كتابنا ( التفسير ) , بما فيه كفاية بكل فاضل نحرير, ولا تزال طائفة من أمته ظاهرين بالحجة على سائر الخلق بالحق, متمسكين بسنته الواردة عنه المتلقاة منه, حافظين لها, معولين عليها, حافظين لأسانيدها, وألفاظ متون سنتها وأسانيدها, عالمين بأحوال رجالها, من ثقاتها وضعفائها, ومن ينسب منهم إلى بدعة, أو جرحة, أو سوء حفظ, أو عدم ضبط أو تعمل أو كذب أو وضع أو زندقة أو انحلال أو متأول في كذبه بنوع قربة, وهو مخطئ في ذلك, كما هو مبسوط في كتب الأسماء والرجال والتواريخ وأيام الناس، وقد جمعت في ذلك كتابا حافلا, كافيا كاملا, جامعا لأشتات ما تفرق في غيره, وسميته: ( بالتكميل في معرفة الثقات و الضعفاء والمجاهيل ) في عدة عشر مجلدات, هو كالمقدمة بين يدي كتابي هذا, الذي جمعته أيضا من كتب الإسلام المعتمدة في الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك الكتب الستة, وهي: الصحيحان: البخاري, ومسلم, والسنن الأربع لأبى داود, والترمذي, و النسائي, و ابن ماجة, ومن ذلك مسند الإمام أحمد, ومسند أبي بكر البزار, ومسند الحافظ أبي يعلى الموصلي, والمعجم الكبير للطبراني, رحمهم الله , فهذه عشرة كاملة
أذكر في كتابي هذا مجموع ما في هذه العشرة, وربما زدت عليها من غيرها, وكلما يخرج من الأحاديث مما يحتاج إليه في الدين, وهذه الكتب العشرة تشتمل على أربى من مائة ألف حديث بالمكررة, وفيها الصحيح ولحسن والضعيف و الموضوع أيضا, وتشتمل على أحاديث كثيرة في الأحكام وفي التفسير وفي التواريخ والرقائق والفضائل, وغير ذلك من فنون العلم, كما قد نبه على ذلك الإمام البخاري في كتابه ( الجامع ) , وفتح أبواب الهدى, وأرشد إلى مسالك النجاة, وترجم كتبا وأبوابا دلت على فقه نفس عظيم, وعلى همة سامية, شاهقة إلى نيل المعالي, وفي سائر العلوم الشرعية, و على اطلاع عظيم من السنة النبوية, والأحاديث المصطفوية, فرحمه الله من إمام كما جعل له لسان في هذه الأمة والأنام, ولكن قل ما يدخل في مصنفه من هذه الأحاديث, لما شرطه في صحيحه من الشرط الذي ضاق, وتوسع مسلم بن الحجاج بعده في الشرط بالغ في المناظرة والحجاج, ومع هذا بقي عليه أحاديث أخر, لم يطلع عليها, و هي على شرطه, كما ستراها في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى, وقد وضعت كل حديث مما يتعلق بالأحكام والتفسير والتاريخ في كتبها الثلاثة, ولله الحمد والمنة, وما كان فيه وهن شديد بينته, وموضع تحرير ذلك وتقريره والتفسير عنه في كتابي: (الأحكام الكبرى) , وسميت كتابي هذا: ( جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن ) وهو المسند الكبير, وشرطي فيه أني أترجم كل صحابي له رواية عن رسول الله صلة الله عيه وسلم , مرتب على حروف المعجم, وأورد له جميع ما وقع له في الكتب, وما تيسر لي من غيرها, وبالله أستعين وعليه أتوكل واليه أنيب اهـ