فهرس الكتاب
في الوقوف بين يديه سعادة، كتلك التي عبّر عنها أحد الصالحين قديما بقوله:"لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف".
وما برحتُ أذكر صفوف المتهجدين في معتقل الطور، حيث كان يمرّ بعض الإخوان في الثلث الأخير من الليل ينادي بصوت مؤثّر:
يا نائما مستغرقا في المنام ÷ قم فاذكر الحي الذي لا ينام
مولاك يدعوك إلى ذكره ÷ وأنت مشغول بطيب المنام!
هناك يستيقظ النائم، ويخف المتشاغل، وينهض المتكاسل، ليتعرض لنفحات الله في هذا الهزيع المبارك من الليل، عسى أن تناله بركة: {الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} .
إن مدرسة الليل - بما فيها من صلاة ودعاء وقرآن وترتيل، وبما تهيئ للأرواح من زاد، وللقلوب من عتاد - هي التي تُخَرِّج المسلم الذي يحتمل أعباء الرسالة، وميراث النبوة بقوة وأمانة كما حملها النبي الكريم، الذي خاطبه الله منذ إشراقة الدعوة في عهدها المكي: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 1 - 5] .
وفي هذه المدرسة - مدرسة الليل والقرآن - تخرّج شباب ربانيون أعادو لنا سيرة السلف من جديد .. رأينا من هؤلاء الشباب الربانيين مَن التزم صيام الاثنين والخميس طوال حياته، نفعنا الله بهم، ومَن ظلّ على هذه السنّة وهو في ميدان الجهاد، عملا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، إِلَّا بَاعَدَ اللهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِيْنَ خَرِيْفًا» (رواه البخاري وغيره) .
ولقد أصيب مرة أحد هؤلاء الإخوة المجاهدين في يوم صيامه، فجيء له وهو في النزع الأخير بشربة ماء، فقال لهم: دعوني، إني أريد أن ألقى ربي وأنا صائم!
(1) م