بأن لهم الجنة، وهم لم يستقبلوا هذه الصفقة أو يتراجعوا عنها، ولن يفعلوا إن شاء الله، ولن يقبلوا دون الجنة بديلا.
ولهذا، لم يفكر الإخوان في الانتقام ممن سجنوهم وعذّبوهم وصادروا أموالهم، وجوّعوا أسرهم، وقتلوا منهم مَن قتلوا سرا وعلانية، ولم يسمع أحد أنهم اختطفوا واحدا من جلّاديهم، وأطلقوا عليه الرصاص في عينه اليمنى أو اليسرى، وكان في إمكانهم أن يفعلوا لو أرادوا، وفيهم المدرَّبون الذين أرعبوا اليهود، وأَقَضُّوا مضاجع الإنجليز، ولكن تربيتهم لم تسمح لهم بهذا اللون من التفكير، بل تركوا خصومهم لله، فانتقم منهم واحدا بعد الآخر، في الدنيا قبل الآخرة. وما عند الله أشد وأخزى، على أن ما يريدونه أكبر وأعمق من الانتقام من أفراد، صغروا أم كبروا.
ولقد قُدِّر للإخوان أن يروا بأعينهم مصاير الكثيرين من جلّاديهم، ذلًّا وهوانا، أو جنونا وسقاما، أو قتلا ونكالا، حتى إن الأستاذ الهضيبي - رحمه الله - على كِبَر سنّه - عاش حتى رأى الذين سجنوه أنفسهم يدخلون السجن معه ومع إخوانه، غير أنهم دخلوه وهم يبكون بكاء الأطفال، على حين استقبله الإخوان بابتسامة الأبطال.
ليس معنى هذا أن كل الإخوان كانوا على هذا المستوى من الربانية الصافية، ولكن أقول بصدق: إن طابع الربانية المشرق كان هو الغالب عليهم، والمهيمن على أكثرهم، فالطاعة فيهم هي القاعدة، والمعصية هي الشذوذ، فقد شُغلوا بالآمال الكبيرة عن الشهوات الصغيرة، وبأحلام الآخرة عن مطامع الدنيا، وبالقضايا العامة عن المنافع الخاصة، ومَن أغواه شيطانه يوما فزلّت قدمُه، سرعان ما يستيقظ ضميره، ويصحو قلبه، ويرجع إلى باب ربّه يقرعه نادما باكيا تائبا، ولا زلتُ أذكر شابا كان في عنفوان شبابه، قادتْه غرزيتُه في لحظة ضعف عارضة، وغفلة قلب طارئة، فتورّط في المعصية، ثم أفاق فجأة، ليجد نفسه قد تلوّث بعد طهارة، وانحرف بعد استقامة، وغوى بعد رُشْد، وأحسّ بمرارة المعصية بعد أن ذاق حلاوة الطاعة، فاعتكف في بيته أياما يبكي على