وإني لا أنسى الأخ الحبيب النقي عبد الوهاب البتانوني، زميل الدراسة في معهد طنطا الديني الثانوي، وشوقه العارم إلى الجهاد في فلسطين، حتى أصبح ذلك حلم ليله وشغل نهاره، وكان يمنعه من تحقيق رغبته الصادقة مانعان:
الأول: أمّه التي تحبّه كل الحبّ، وتحنو عليه أعظم الحنوّ، ولا سيما بعد وفاة والده - رحمه الله - وهي لا تطيق فراقه بالبعاد، فكيف بالموت لو كان؟ ولهذا، لم تأذن له، ولم ترضَ عن تطوّعه في كتائب الإخوان، وهو حريص على برّها وإرضائها، ولا يجب أن ينفر للجهاد بغير رضاها وإذنها، ولهذا صحبنا إلى والدته لنحدّثها عن فضل الجهاد ومنزلة المجاهدين، وقصص أبطال المسلمين، وموقف أمهاتهم منهم، وما زلنا بها حتى أذنت له - وعيناها تدمعان - بما يحلم به، ويصبو إليه.
والمانع الثاني: قرار مكتب الإرشاد للإخوان بعدم السماح لطلاب المرحلة الثانوية بالتطوع، نظرا لصغر سنّهم. وهنا رجانا الأخ البتانوني - رحمة الله عليه - أن نسافر من طنطا إلى القاهرة لمقابلة المرشد العام، والإلحاح عليه لقبوله في كتائب الجهاد، وبخاصة أن أمّه قد أذنت له، وسافرنا - أنا والأخ أحمد العسّال، والأخ محمد الصفطاوي - وقابلنا الأستاذ البنا، وعرضنا عليه الأمر، وما زلنا به حتى قَبِل ووافق على سفره.
وكاد صاحبنا يطير فَرَحا لهذه النتيجة، وذكرنا ذلك لأستاذنا البهي الخولي، فقال: إن صفاء عبد الوهاب هو صفاء الشهداء، وإني أحسّ كلما رأيته أرى دم الشهادة يترقرق في وجهه، وقد كان، فقد استشهد عبد الوهاب في عملية بطولية مع اثنين من إخوانه، نسفوا بها مخزنا للذخيرة والسلاح بعد أن دخله اليهود، ووضعوا أيديهم عليه، فأشعل الإخوة النار في صناديق المفرقعات، فاستحال في لحظة واحدة إلى كومة من الأنقاض، وذهب معه الأبطال الثلاثة إلى علّيّين.
(1) ا