ولم يكن هذا موقف الشهيد البتانوني وحده، فَكَم من شباب هربوا من أسرهم ليدخلوا معسكر التدريب في هايكستب، وكم حاول بعض الآباء والأعمام أن يثنوهم عن عزمهم، ويقنعوهم بالعودة، فلم يفلحوا أمام إصرارهم، فعادوا راضين بالواقع، مؤمنين بأن روح الإيمان سرى في أعماق هذا الجيل فغيّره، فلم يعد يخاف الموت ما دام في سبيل الله، حتى كان بعضهم يقول: يا قوم .. دعوني، فإن الجنة تناديني.
وكم منهم مَن تحمّل أبلغ المشاق، وركب قطار البضاعة، أو مشى على قدميه في صحراء سيناء، ليصل إلى قواعد إخوانه المجاهدين.
وكم من رجل باع ما يملك ليشتري بندقيّته أو مدفعا ليقاتل به دفاعا عن أولى القبلتين.
وكم من زوجة قدّمت حليّها راضية ليبيعها زوجها ليسلّح بثمنها نفسه، وبذلك ساهمت في الجهاد مرتين: بالتخلي عن أغلى ما تحب، وبالرضا بفراق أعزّ مَن تحب.
ولا زلتُ أذكر قصة حسن الطويل، أحد الإخوان المزارعين من مركز بسيون، وقد سجّل اسمه في كتائب المتطوعين، تاركا أهله وزراعته وكل شيء رغبة إلى ما عند الله، ولم يكتف بذلك، بل باع جاموسته - وهي للفلاح كرأس المال للتاجر - ليشتري بها سلاحا يقاتل به دفاعا عن أرض النبوات. ولما قال له الحاج أحمد ألبس؛ رئيس المنطقة: يا حسن .. دع الجاموسة للعيال، وحسبك أنك تطوّعت بنفسك، ووضعت روحك على كفّك، وعلى غيرك ممن لم يجاهد بنفسه أن يجاهد بماله، وهنا قال حسن قولة البصير بدينه: هل قال الله - تعالى: جاهدوا بأنفسكم، أم قال: جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله؟ وهل اشترى منا النفس وحدها، أم النفس والمال جميعا ليعطينا الجنة؟ هل نسيتم الآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] أم تريدون أن نتسلم البضاعة دون أن ندفع لها الثمن؟!
(1) ا