ولم يملك أحمد إزاء هذا الإيمان والإصرار أن يقول شيئا، وسافر حسن مع المقاتلين، وعاد مع العائدين، لا ليكرّم ويُحتفى به، ولكن لِيُزَجّ به في المعتقل، جزاء ما قدّمت يداه، في قتال الصهيونيين! وكان له مع جلاد الغربية في وقته الضابط سعد الدين السنباطي موقف يذكر بالفخر والاعتزاز.
هذه الروح العالية الفذة، هي التي جعلت اليهود يضطريون رُعبا كلما ذُكر اسم الإخوان المتطوعين من قريب، أو سمعوا صيحاتهم:"الله أكبر"من بعيد.
ولقد قال بعضهم للضابط المجاهد معروف الحضري حين كان في الأسر: نحن لا نخاف إلا مِن هؤلاء الإخوان المتطوعين! فسأله معروف: ولماذا تخشونهم وعددهم قليل، وسلاحهم ضئيل؟! فقال الضابط الصهيوني في صراحة: نحن إنما جئنا من بلاد العالم إلى هذه الأرض لنعيش، وهؤلاء جاءوا إليها ليموتوا، وما أبعد الفرق بين مَن يحرص على الحياة، ومَن يحرص على الموت.
ولقد كان من المشكلات التي تواجه قيادة المجموعات الإخوانية في الميدان أنها إذا كَلَّفت فصيلةً أو فردًا بعمل عسكري، بقي من الصعب إقناع الفصائل أو الأفراد الآخرين بالبقاء، فالجميع يتسابقون إلى شرف الجهاد، وقد لا يُحَلّ هذا التنافس إلا القرعة أو الرضا بالتناوب. وكل فصيلة يقع عليها الاختيار للقيام بهجوم، يهلل أفرادها ويكبّرون ويهتفون: هبي ريح الجنة .. هبي.
ومما رواه الأستاذ كامل الشريف في مذكراته التي سماها:"الإخوان المسلمون في حرب فلسطين": أن الشاب المجاهد عبد الحميد خطاب - وهو نجل العالم المؤمن الشجاع الشيخ بسيوني خطاب - طُلِب إليه في معركة دير العلم أن يبقى بالمعسكر للحراسة، فثار وبكى وانتحب، وما زال بالقائد حتى ضمّه إلى المقاتلين، فكان حظه ما كان يتمنّاه: الشهادة في سبيل الله.
وما أروع ما سمعتُ من الإخوة المجاهدين، وكيف كانوا يستقبلون الموت بعد أن يدخلوا المعركة مغتسلين متوضّئين، في قلوبهم الإيمان، وفي جيوبهم
(1) ا