والرسول - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أفضل الجهاد فقال: «كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» .
ومعنى هذا أن مقاومة الفساد الداخلي، كمقاومة الغزو من الخارج، وكلاهما فريضة، وكلاهما جهاد.
وقد تحدّث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الأمراء الظلمة الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، وبين واجب الأمة المسلمة حين تبتلى بحكمهم وتسلطهم فقال: «مَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيْمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» (1) يشير إلى أن الجهاد بالقلب - جهاد الكراهية والغضب والنفرة والمقاطعة - هو أضعف مراتب الإيمان، وهو لمن عجز عن جهاد اللسان كما أن جهاد اللسان لمن عجز عن جهاد اليد.
فالجهاد إذن ليس للكفار فقط، ولا بالسيف فحسب، كيف وقد قال - تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} (1) ، والمنافقون لا يجاهدون بالسيف، لأنهم محسوبون ظاهرا في عِداد المسلمين، وإنما يجاهدون بالبيان والوعظ وإقامة الحجة، والقول البليغ المؤثر في النفس. كما قال - تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63] .
وأصرح من ذلك قول الله لرسوله عن القرآن: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ - القرآن - جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52] وهذا الأمر بالجهاد في سورة الفرقان، وهي مكية نزلت قبل أن يؤذن بالقتال فضلا عن أن يؤمر به.
فهذا الجهاد الكبير هو جهاد الدعوة والثبات على تبليغها، والصبر على مرارتها، وتحمل مشاقها، وطول طريقها، وهو ما تشير إليه كذلك أوائل
(1) التوبة: 73، التحريم: 9.