وبمثل هذه الروح المنصفة المعتدلة، وقف من التصوف: فلم يقبله كله بعجره وبجره، وسنّيّه وبدعيّه، ولم يرفضه كله بما فيه من صواب وخطأ، وحُسن وسوء، بل كان مبدؤه هنا: خذ ما صفا ودع ما كدر. فليس كل ما في التصوف باطلا، وليس كله حقا، وليس كل المتصوفة مبتدعة، وليسُ كلهم على سنّة، فلا بد من الانتقاء والاختيار، والاستفادة من تراث القوم، وفيه من الحرارة والتأثير ما ليس في غيرهم، ولكلامهم صولة ليس لكلام مَن سواهم، وقد سجّل رأيه في التصوف بصراحة في كتابه:"مذكرات الدعوة والداعية".
ورغم أنه بدأ في أول الأمر على صلة بإحدى الطُرق، فهو لم يُسلِم زمامه إليها، بل أخذ منها وترك، وقال عن نفسه وعن صديقه السكري، كنا مريدين أحرارا في تفكيرنا، وإن كنا مخلصين كل الإخلاص - في تقديرنا - للعبادة والذكر وأدب السلوك.
مع أن الطريقة نفسها كانت أبعد من غيرها عن البدع، وكان يعجبه من شيخها: شدّتُه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى للملوك والكبراء، واتباعٌ للسنن ومحاربةٌ للبدع، ولم يكن يصغي كثيرا لما يسمعه من كرامات الشيخ وخوارقه الحسّيّة، فعمله في هداية الخلق، ونشر الحق، أعظم من الكرامات في نظره.
ولم تَلِن قناة حسن البنا للبدع والمحدثات التي راجت بين كثيرين من المتصوفة عن الزيارات البدعية للأضرحة، والتبرك بالقبور، ودعاء الأموات، وتعليق التمائم وغيرها، فأعلن الحرب على هذه الأشياء في"الأصول العشرين"، واعتبرتها كبائر تجب محاربتها، ولا نتأول لها سدًّا للذريعة.
ومع هذا، قال في إنكار البِدع ومقاومتها:
"كل بدعة في دين الله لا أصل لها استحسنها الناس بأهوائهم -سواء بالزيادة فيه أو بالنقص منه- ضلالة تجب محاربتها والقضاء عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدي إلى ما هو شر منها".