علم المناظر
وعلم المناظر يفحص عما يفحص عنه علم الهندسة من الأشكال والأعظام والترتيب والأوضاع والتساوي والتفاضل وغير ذلك، ولكن على أنها في خطوط وسطوح ومجسمات على الإطلاق.
فيكون نظر الهندسة أعم. وإنما احتيج إلى أن يفرد علم المناظر، وإن كان داخلا في جملة ما فحصت عنه الهندسة: لأن كثيرا من التي يلزم في الهندسة أنها على حال ما من شكل أو وضع أو ترتيب أو غير ذلك، تصير أحوالا عند ما ينظر إليها على ضد ذلك: وذلك أن التي هي في الحقيقة مربعات إذا نظر إليها من بعد ما، ترى مستديرة، والمتوالية متفاضلة متساوية، وكثير مما هي موضوعة في سطح واحد يظهر بعضها أخفض وبعضها أرفع، وكثير مما هي متقدمة تظهر متأخرة، وأشباه هذه كثيرة.
ويميز بهذا العلم بين ما يظهر في البصر بخلاف ما هو عليه بالحقيقة وبين ما يظهر على ما هو بالحقيقة، ويعطي أسباب هذه كلها، ولم هي كذلك ببراهين يقينية، ويعرف في كل ما يمكن أن يغلط فيه البصر وجوه الحيل في أن لا يغلط، بل يصادف الحقيقة فيما ينظر إليه من الشيء ومقداره وشكله ووضعه وترتيبه وسائر ما يمكن أن يغلط فيه البصر.
وبهذه الصناعة يمكن الإنسان أن يقف على مساحة ما بعد من الأعظام بعدا يتعذر معه الوصول إليه، وعلى مقادير أبعادها منا وأبعاد بعضها من بعض: وذلك مثل ارتفاعات الأشجار الطوال والحيطان وعروض الأودية والأنهار، بل ارتفاعات الجبال وأعماق الأودية والأنهار بعد أن يقع البصر على نهاياتها ثم أبعاد الغيوم وغيرها عن المكان الذي نحن فيه، وبحذاء أي مكان من الأرض ثم أبعاد الأجسام السماوية ومقاديرها أيما يمكن أن ينظر إليها عن انحراف مناظرها. وبالجملة كل عظم التمس الوقوف على مقداره أو بعده عن شيء ما بعد أن يقع عليه البصر. فبعضه بآلات تعمل لتسديد البصر حتى لا يغلط وبعضها بلا آلات.