بعض بالفعل حتى تعرف قوانين كل واحدة منها على انفرادها متميزة عن قوانين الآخر، لم يأمن الإنسان عند التماسه الحق واليقين أن يستعمل الأشياء الجدلية، من حيث لا يشعر أنها جدلية، فتعدل به عن اليقين إلى الظنون القوية؛ أو يكون قد استعمل من حيث لا يشعر أمورا خطبية، فتعدل به إلى الإقناع، أو يكون قد استعمل المغلّطات من حيث لا يشعر: فإما أن توهمه فيما ليس بحق أنه حق فيعتقده وإما أن تحيره، أو يكون قد استعمل الأشياء الشعرية، من حيث لا يشعر أنها شعرية، فيكون قد عمل في اعتقاداته على التخيلات وعند نفسه أنه سلك في هذه الأحوال الطريق إلى الحق فصادف ملتمسه ولا يكون صادفه على الحقيقة، كما أن الذي يعرف الأغذية والأدوية إن لم تتميز له السموم عن هذه بالفعل حتى يتيقن معرفتها بعلاماتها، لم يأمن أن يتناولها على أنها غذاء أو دواء من حيث لا يشعر فيتلف.
وأما على القصد الثاني فإنه يكون قد أعطى أيضا أهل كل صناعة من الصنائع الأربع جميع ما تلتئم به تلك الصناعة، حتى يدري الإنسان إذا أراد أن يكون جدليا بارعا كم شيء يحتاج إلى تعلمه ويدري بأي شيء يمتحن على نفسه أو على غيره أقاويله، ليعلم هل سلك فيها طريق الجدل أو لا؛ ويدري إذا أراد أن يصير خطيبا بارعا كم شيء يحتاج إلى تعلمه، ويدري بأي الأشياء يمتحن على نفسه أو على غيره، ليعلم هل سلك في أقاويله طريق الخطابة أو طريق غيرها.
وكذلك يدري إذا أراد أن يصير شاعرا بارعا كم شيء يحتاج أن يتعلمه، ويدري بأي الأشياء يمتحن على نفسه وعلى غيره من الشعراء، ليعلم هل سلك في أقاويله طريق الشعر أو عدل عنه وخلط به طريقا غيره. وكذلك يدري إذا أراد أن يكون له القدرة على أن يغالط غيره ولا يغالطه أحدكم شيء يحتاج إلى أن يعلمه، ويدري أن الأشياء يمكن أن يمتحن كل قول وكل رأي، فيعلم هل غلط هو فيه أو غولط، ومن أي جهة كان ذلك.
هذا العلم يسمى باليونانية لوغيا وبالسريانية مليلوثا. وبالعربية المنطق