وهو كله في كتابه فيما بعد الطبيعة والعلم الإلهي ينقسم إلى ثلاثة أجزاء:
أحدها: يفحص فيه عن الموجودات والأشياء التي تعرض لها بما هي موجودات.
والثاني: يفحص فيه عن مبادئ البراهين في العلوم النظرية الجزئية، وهي التي ينفرد كل علم منها بالنظر في موجود خاص، مثل المنطق والهندسة والعدد وباقي العلوم الجزئية الأخرى التي تشاكل هذه العلوم: فيفحص عن مبادئ علم المنطق، ومبادئ علوم التعاليم، ومبادئ العلم الطبيعي، ويلتمس تصحيحها وتعريف جواهرها وخواصها، ويحصي الظنون الفاسدة التي كانت وقعت للقدماء في مبادئ هذه العلوم، مثل ظن من ظن في النقطة والوحدة والخطوط والسطوح أنها جواهر وأنها مفارقة والظنون التي تشاكل هذه في مبادئ سائر العلوم، فيقبحها ويبين أنها فاسدة.
والجزء الثالث يفحص فيه عن الموجودات التي ليست بأجسام ولا في أجسام: فيفحص عنها أولا هل هي موجودة أم لا، ويبرهن أنها موجودة، ثم يفحص عنها هل هي كثيرة أم لا، فيبين أنها كثيرة؛ ثم يفحص عنها هل هي متناهية أم لا، فيبرهن أنها متناهية؛ ثم يفحص هل مراتبها في الكمال واحدة أم مراتبها متفاضلة، فيبرهن أنها متفاضلة في الكمال، ثم يبرهن أنها على كثرتها ترتقي من عند أنقصها إلى الأكمل فالأكمل، إلى أن تنتهي في آخر ذلك إلى كامل ما لا يمكن أن يكون شيء هو أكمل منه، ولا يمكن أن يكون شيء هو أصلا في مثل مرتبة وجوده ولا نظير له ولا ضد، وإلى أول لا يمكن أن يكون قبله أول، وإلى متقدم لا يمكن أن يكون شيء أقدم منه، وإلى موجود لا يمكن أن يكون استفاد وجوده عن شيء أصلا، وأن ذلك الواحد هو الأول والمتقدم على الإطلاق وحده.