ومنه أيضًا قوله تعالى: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ} [الشعراء 30] .
فقد أعطت الآية الكريمة الدلالة على الافتراض [1] . والفرض في الآية الكريمة جاء ردًّا على قول فرعون في الآية السابقة لها، وهي قوله تعالى: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء 29] . وقد جاء التعبير الافتراضيّ مبدوءًا بالهمزة الاستفهاميّة الداخلة على الجملة المصدّرة بواو الحال [2] . ورأى آخرون أنّها للعطف [3] . ويبدو أنّ دلالة الحال أقرب للمعنى. وجيء بـ (لو) ؛ (( لبيان تحقيق ما يفيده الكلام السابق من الحكم على كلّ حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدّها منافاة له ليظهر تحقّقه مع ما عداه من الأحوال بطريق الأولويّة أي: أتفعل فيّ ذلك حال عدم مجيئي بشيء مبين وحال مجيئي به ) ) [4] . والافتراض فيها للاستقبال لا للمضي (( وتصدير المجيء بلو دون إنْ ليس لبيان استبعاده في نفسه بل بالنسبة إلى فرعون ) ) [5] . والتعبير بقوله (بشيء) للتهويل [6] ، ووصفه بقوله (مبين) أي: موضّح لصدق دعواي [7] ، وهو من أبان الذي يكون لازمًا ومتعدّيًا [8] ، واللازم بمعنى: بان، وجعله من أبان المتعدّي أنسب للمقام [9] . ولا يخفى أنّ الإتيان بالدليل على صدق الدعوى والنبوّة أمر ممكن لا من النبيّ موسى - عليه السلام -، وإنّما هذا الأمر ممكن لله سبحانه وتعالى المؤيّد لهذا النبيّ.
(1) ينظر: إرشاد العقل السليم 6/ 240 ـــ 241، وروح المعاني 19/ 100.
(2) ينظر: الكشّاف 3/ 300.
(3) ينظر: إرشاد العقل السليم 6/ 240، وروح المعاني 19/ 100.
(4) روح المعاني 19/ 100.
(5) المصدر نفسه 19/ 100.
(6) ينظر: إرشاد العقل السليم 6/ 240، وروح المعاني 19/ 100.
(7) ينظر: إرشاد العقل السليم 6/ 240، وروح المعاني 19/ 100.
(8) ينظر: مختار الصحاح / 72 (بين) ، وروح المعاني 19/ 100.
(9) ينظر: روح المعاني 19/ 100.