الصفحة 103 من 227

ومن الافتراض الممكن قوله تعالى: {وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [الشورى 8] .

فقد أعطت الآية الكريمة معنى الافتراض [1] ، وجاء التعبير الافتراضيّ مبدوءًا بـ (لو) متلوّة بفعل المشيئة المسند لله تعالى، وما دامت المشيئة له تعالى، فكلّ مستحيل يصبح ممكنًا، ومفعول المشيئة محذوف والتقدير: (( ولو شاء الله أنْ يحملهم على دين واحد وهو الإسلام بأنْ يُلجئهم إليه لفعله، ولكنّه لم يفعله لأنّه يؤدي إلى إبطال التكليف والتكليف إنّما يثبت مع الاختيار ) ) [2] . وجواب الشرط (لجعلهم أمّةً واحدةً) ، فالفعل (جعل) من أفعال التحويل، أي لم يكونوا مؤمنين ثُمّ كانوا (( مؤمنين كلّهم على القسر والإكراه ) ) [3] . ورأى أبو السعود والآلوسيّ أنّ قوله (أمّة واحدة) ، أي إمّا يكونوا مهتدين أو ضالّين، على دين واحد [4] . ثُمّ جاء الاستدراك للافتراض في قوله ... (ولكن يُدخل مَن يشاء في رحمته) ، فإدخال مَن يشاء في رحمته لاستحقاق الرحمة لهؤلاء الداخلين [5] . وجاء قوله (والظالمون ما لهم من وليّ ولا نصير) ، ولم يقل عزّ وجلّ: ويدخل مَن يشاء في عذابه (( للإيذان بأنّ الإدخال في العذاب من جهة الداخلين بموجب سوء اختيارهم لا من جهته عزّ وجلّ كما في الإدخال في الرحمة ) ) [6] . ولعلّ في اختيار الجملة الفعليّة (يدخل مَن يشاء في رحمته) دلالةً على الحدوث والتجدّد، واختيار الجملة الاسميّة (والظالمون ما لهم من وليّ ولا نصير) ، أي مَن مات ظالمًا لنفسه بالكفر بالله والإشراك، فجزاؤه ثابت لا ينفع معه (من وليّ ولا نصير) ... (( يمنع عنهم عذاب الله ) ) [7] . وقد أكّد كلامه بالجملة الاسميّة مرّتين وبـ (مِن) المؤكّدة وبـ (لا) الزائدة لتوكيد النفي.

(1) ينظر: إرشاد العقل السليم 8/ 23،وروح المعاني 25/ 22.

(2) مجمع البيان 9/ 57.

(3) الكشّاف 4/ 205.

(4) ينظر: إرشاد العقل السليم 8/ 23، وروح المعاني 25/ 22.

(5) ينظر: روح المعاني 25/ 22.

(6) المصدر نفسه 25/ 22.

(7) مجمع البيان 9/ 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت