الصفحة 12 من 227

ومن الجدير بالذكر أنّ (فرض) من الألفاظ التي تندرج تحت (المشترك اللفظيّ) ، فقد ذكر ابن قتيبة [ت276 هـ] في باب (اللفظ الواحد للمعاني المختلفة) أنّ معنى (فرض) هو وجوب الشيء، ومنه قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة197] ، أي أوجبه على نفسه. وقال تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة237] أي: ألزمتم أنفسكم. وقوله تعالى: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور1] أي: بيّناها. وقوله تعالى: {مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} [الأحزاب 38] ، أي: فيما أحلّ الله له [1] .

ونقل محقّق كتاب الكلّيات للكفويّ] ت 1094 هـ [في الهامش أنّه ورد في إحدى مخطوطات الكتاب، أنّ (( كلّ موضع ورد(فرض الله عليه) ففي الإيجاب، وما فرض الله له وأراد في مباح أدخل الإنسان نفسه فيه ... والفريضة اسم من الافتراض وهو الإيجاب، ثم جعلت بمعنى المفترض ثم نقل إلى المعنى الشرعيّ الأعمّ من الشرط والركن ))[2]

ورأى القاضي عبد الجبّار [ت 415 هـ] أنّ الأصل في الفرض التقدير لأنّه يستعمل في الواجب، فقال: (( ويوصف الواجب بأنّه فرض، إذا علم من حاله ما قلناه، وأوجبه موجب. ولذلك نُقِل استعماله فيما لم يقدّر بالشرع، ولم يوجب به. ولذلك لا يستعمل فيه تعالى. ولا يبعد أنْ يكون إنّما سمّى بذلك؛ لأنّ أصلَ الفرض التقديرُ. ولذلك قال تعالى: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور 1] ويقال في المواريث فرائض. وقيل في الزكاة فرائض الإبل والغنم. وعلم أنّ الواجب الشرعيّ لا بد من ورود التقدير في وجوبه، فقيل فيه: إنّه فرض، ولذلك قلّ استعماله في ... العقل ) ) [3] . وقد كثر استعمال مصطلح (الفرض) ملازمًا لمصطلح (التقدير) في كتب التفسير فيما تعرض للآيات الواردة على سبيل الافتراض، ويبدو أنّ بينهما تلاقيًا، فالتقدير: (( أنْ يعطى الموجود معنى المعدوم أو المعدوم معنى الموجود، كما في قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ

(1) ينظر: تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبةالدينوريّ / 261، وينظر: معترك الأقران في إعجاز القرآن، السيوطيّ 3/ 132 - 133.

(2) الكلّيات، الكفويّ / 687.

(3) المغني في أبواب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبار 6/ 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت