ومن الافتراض المكانيّ قوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر 21] .
فقد دلّ تعبير الآية على الافتراض [1] ، وسمّاه جماعة من العلماء تمثيلًا وتخييلًا [2] (( لعلوّ شأن القرآن وقوة تأثير ما فيه من المواعظ والزواجر ) ) [3] . وجاء التعبير الافتراضيّ مصوّرًا لنزول القرآن على مكان مفترض وهو (جبل) ، ولعلّ في تنكيره دلالة التفخيم والتعظيم. وجاء التمثيل بالجبل؛ لأنّه (( مثال لأشدّ صلابة وقلّة تأثّر بما يقرعه ) ) [4] . وفي التعبير بضمير التاء للمخاطب، فالخطاب فيه (( لغير معيّن فيعمّ كلّ مَن يسمع هذا الكلام، والرؤية بصريّة، وهي منفيّة لوقوعها جوابًا لحرف(لو) الامتناعيّة )) [5] . و قوله (خاشعًا) ،يعني: (( الضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح ) ) [6] . وقوله (متصدّعًا) من الصدع، ومعناه: الشقّ في الأجسام الصلبة كالزجاج والحديد ونحوهما [7] . ووصف الجبل بالخشوع، فيه دلالة على التشخيص [8] . وجاء بقوله (وتلك الأمثال نضربها للناس لعلّهم يتفكّرون) ، تذييلًا يبين فيه أنّ الكلام مساق سوق المثل لأجل أنْ يتفكّروا ويتأمّلوا، وتحصل لهم به الهداية والرشاد.
(1) ينظر: التحرير والتنوير 28/ 103.
(2) ينظر: الكشّا ف 4/ 496، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل 5/ 323، وإرشاد العقل السليم 8/ 233، وتفسير شبّر / 548،وروح المعاني 28/ 356، والميزان 19/ 108.
(3) روح المعاني 28/ 356، وينظر: إرشاد العقل السليم 8/ 233.
(4) التحرير والتنوير 28/ 104.
(5) التحرير والتنوير 28/ 104.
(6) مفردات ألفاظ القرآن / 283 (خشع) .
(7) ينظر: المصدر نفسه / 478 (صدع) .
(8) ينظر: التصوير الفنّي / 63.