الصفحة 129 من 227

ومن أمثلة الآيات الافتراضيّة التي تفترض المكان قوله تعالى: {يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب 20] .

فقد جاءت الآية دالّة على الافتراض [1] ، وقد جاء التعبير مبدوءًا بقوله (وإنْ يأت الأحزاب) حيث استعمل الأداة الشرطيّة (إنْ) الدالّة على الشك، والفعل بعدها جاء مضارعًا دالًا على الاستقبال للدلالة على عدم تحقّقه. وقوله (يودّوا) جواب الشرط، والودّ (( محبّة الشيء وتمنّي كونه ) ) [2] . وجاء قوله تعالى (لو أنّهم بادون في الأعراب) على سبيل الافتراض المكاني حيث ... (( تمنّوا أنّهم خارجون إلى البدو وحاصلون مع الأعراب ) ) [3] . ثمّ تصف الآية حالهم، وقد فرضت وجودهم مع الأعراب بقوله (يسألون عن أنبائكم) ، ولعلّ في الجملة الفعليّة (يسألون) دلالة التجدّد والمداومة على السؤال، وجاء في التعبير بـ (أنبائكم) ، وهي جمع مفردها (نبأ) ، وهو (( خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظنّ ) ) [4] . ولعلّ في معناه دلالة على أنّهم يطلبون الخبر اليقين الذي لا شك فيه، فلا يعودون إلى المدينة حتّى يتحقّق لهم زوال الخطر. وقوله (ولو كانوا فيكم) أي: في هذه الكرّة المفروضة [5] ، فيكون المعنى بذلك فرض عودة الأحزاب، فجاء بافتراض آخر، وهو فرض وجود هؤلاء المنافقين في المعركة (( ولم يرجعوا إلى داخل المدينة وكانت محاربة بالسيوف ومبارزة الصفوف ) ) [6] . وقوله (ما قاتلوا إلاّ قليلًا) جواب شرط (لو) ، ومعناه: إنّهم لا يقاتلون إلاّ رياءً وخوفًا من التعيير [7] .

(1) ينظر: روح المعاني 21/ 222، والتحرير والتنوير 21/ 222.

(2) مفردات ألفاظ القرآن / 860 (ودد) .

(3) روح المعاني 21/ 222.

(4) مفردات ألفاظ القرآن / 788 (نبأ) .

(5) ينظر: روح المعاني 21/ 222، وينظر: التحرير والتنوير 21/ 222.

(6) روح المعاني 21/ 222.

(7) ينظر: إرشاد العقل السليم 7/ 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت