الصفحة 136 من 227

وأمّا قوله (يمدّه) ، فمعناه: نمدّه حال نفاده بنهر آخر [1] . وفي التعبير بالصيغة الفعليّة (( دلالة على المداد مع ما يزيد في المبالغة، وهو تصوير الإمداد المستمرّ حالًا بعد حال ) ) [2] . وأمّا جواب الشرط، فقوله (ما نفدت كلمات الله) ، وقد جيء بـ (كلمات) ؛ لأنّ (( إيثار جمع القلّة للإشعار بأنّ ذلك لا يفي بالقليل فكيف بالكثير ) ) [3] .

ومن ذلك قوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة 261] .

فقد جاءت الآية الكريمة دالّةً على الافتراض [4] ، مصوّرةً الثواب المعدّ لمَن ينفق المال في سبيل الله تعالى. فجاء التعبير الافتراضيّ مبدوءًا بقوله (مثل الذين ينفقون) ، وفيه تقدير لمحذوف، أي: (( مثلُ نفقتهم كمثل حبّةٍ أو مثلهم كمثل باذر حبّة ) ) [5] . ومعنى قوله (في سبيل الله) أي في وجوه أو أبواب الخير من الواجب والنفل [6] . ورأى الآلوسيّ أنّ المراد: الإنفاق (( في الجهاد لأنّه الذي يضاعف هذه الأضعاف، وأمّا الإنفاق في غيره فلا يضاعف كذلك وإنّما تُجزى الحسنة بعشر أمثالها ) ) [7] . ويبدو أنّ الرأي الأوّل هو الأقرب للصواب؛ لأنّ الآيات بعده تذكر الصدقة، وهي ليست في الجهاد، فقال تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة 262 ــ 263] .وقوله (حبّة) وهي (( اسم جنس لكلّ ما

(1) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن / 763 (مدّ) .

(2) روح المعاني 21/ 132.

(3) أنوار التنزيل وأسرار التأويل4/ 351، وينظر: إرشاد العقل السليم 7/ 75.

(4) ينظر: الكشّا ف 1/ 306، الميزان 2/ 356.

(5) الكشّا ف 1/ 306، وينظر: مجمع البيان 2/ 270، وروح المعاني 3/ 44.

(6) ينظر: إرشاد العقل السليم 1/ 257.

(7) روح المعاني 3/ 44، وينظر: الجواهر الحسان 1/ 516.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت