يزرعه إبن آدم، وأشهر ذلك البُرّ )) [1] . وجاء قوله (أنبتت سبع سنابل) على سبيل التمثيل، أي (( أنْ تخرج ساقًا يتشعّب منه سبع شُعب لكلّ واحدة سنبلة، وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنّها ماثلة بين عيني الناظر ) ) [2] . وفي قوله (في كلّ سنبلة مئة حبّة) ، رأى بعض العلماء أنّه ... (( موجود في الدخن والذرة وغيرهما وربّما فرخت ساق البرّة في الأراضي القويّة المُغلّة فيبلغ حبّها هذا المبلغ، ولو لم يوجد لكان صحيحًا على سبيل الفرض والتقدير ) ) [3] ، أو أنّه (( مُتصوّر وإنْ لم يُرَ ) ) [4] . وإسناد الإنبات إلى الحبّة مجازيّ؛ لكونها سبب الإنبات، ففي الحقيقة المنبت هو الله تعالى [5] . ومعنى قوله (والله يضاعف لمَن يشاء) أي (( يُضاعف تلك المُضاعفة لمَن يشاء لا لكلّ مُنفق، لتفاوت أحوال المنفقين أو يُضاعف سبع المئة ويزيد عليها أضعافها لمَن يستوجب ... ذلك ) ) [6] . وقد أكّد هذا القول بقوله تعالى على سبيل التذييل (والله واسع عليم) ، أي: إنّه واسع القدرة لا يضيق عنه ما شاء من الزيادة، أو إنّه واسع الرحمة. (عليم) بما كان من نيّة المنفق، وما يقصده من إنفاقه [7] . فالآية تصوّر في الذهن (( عمليّة حسابيّة تُضاعف الحبّة الواحدة إلى سبعمئة حبّة! أمّا المشهد الحيّ الذي يعرضه التعبير فهو أوسع من هذا وأجمل، وأكثر استجاشة، وتأثيرًا في الضمائر .. إنّه مشهد الحياة النامية. مشهد الطبيعة الحيّة. مشهد الزرعة الواهبة. ثُمّ مشهد العجيبة في عالم النبات: العدد الذي يحمل سبع سنابل. والسنبلة التي تحوي مئة حبّة ) ) [8] . وهذا التشبيه بهذه الزرعة المعطاء انعكاس للنفس البشريّة المُندفعة لعمل الخير، (( فصورة الشجرة الدالّة على الخير في القرآن الكريم، تناظرها فيه على الدوام صورة الإنسان المُتّصف
(1) الجواهر الحسان 1/ 515، وينظر: مفردات ألفاظ القرآن / 214 (حبّ) .
(2) الكشّا ف 1/ 306.
(3) الكشّا ف 1/ 306، وينظر: الجواهر الحسان 1/ 515، وروح المعاني 3/ 44.
(4) مجمع البيان 2/ 270.
(5) ينظر: روح المعاني 3/ 44، وإرشاد العقل السليم 1/ 257.
(6) الكشّا ف 1/ 306، وينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1/ 565.
(7) ينظر: مجمع البيان 2/ 271، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل 1/ 565، وروح المعاني 3/ 45.
(8) في ظلال القرآن 1/ 306.