ونحو ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحجّ 73] .
حيث وردت الآية دالّة على الافتراض [1] ، وجاء التعبير بصيغة المثل الذي يصف عجز الآلهة. ورأى ابن قتيبة أنّ الآية لم يأت فيها المثل؛ (( لأنّ في الكلام معناه [أي معنى المثل] كأنّه قال: يا أيّها الناس، مثلكم مثل مَن عبد آلهة اجتمعت لأنْ تخلق ذبابًا فلم تقدر عليه وسلبها الذباب شيئًا لم تستنقذه منه ) ) [2] . وقد جاء التعبير الافتراضيّ مستعملًا (لو) في قوله (ولو اجتمعوا له) وجاء الفعل بعدها ماضيًا للدلالة على عدم تحقّقه. وجواب شرط (لو) محذوف دلّ عليه الكلام المتقدّم (لن يخلقوا ذبابًا) . وجملة (ولو اجتمعوا) (( معطوفة على شرطيّة أخرى محذوفة ثقة بدلالة هذه عليها أي لو لم يجتمعوا له ويتعاونوا عليه لن يخلقوه ولو اجتمعوا له وتعاونوا عليه لن يخلقوا ) ) [3] . فالآية الكريمة ترسم لنا صورة لأصنامهم ــ وقد اجتمعوا لخلق الذباب ــ صورة (( تلقي ظلال الضعف عن خلق أحقر الأشياء، والجمال الفني هنا في تلك الظلال التي تضفيها محتويات الصورة وفي الحركة التخييليّة في محاولة الخلق، وفي التجمع له، ثُمّ في محاولة الطيران خلف الذباب لاستنقاذ ما يسلبه، وهم وأتباعهم عاجزون عن هذا ... الاستنقاذ ) ) [4] .والآية الكريمة تتدرّج في تصوير ضعف آلهتهم ومهانتها، من عدم قدرتها على خلق الذباب إلى اجتماعهم بعد ذلك لهذه الغاية، ثُمّ سلب الذباب منهم ومحاولتهم استرجاع ما سلب، ... (( أرأيت إلى تصوير الضعف المزري وإلى التدرّج في تصويره بما يثير في النفس السخرية اللاذعة والاحتقار المُهين ) ) [5] . إنّ الإعجاز في خلق الذباب هو عينه الإعجاز في خلق غيره من
(1) ينظر: روح المعاني 17/ 260، والتحرير والتنوير 17/ 245، والميزان 14/ 346.
(2) تأويل مشكل القرآن / 57.
(3) روح المعاني 17/ 260.
(4) التصوير الفني / 244.
(5) التصوير الفني / 244.